نظريّة المجموعات
يتصرّف الأفراد بشكل مختلف إذا كانوا ضمن مجموعة أو بمفردهم. كيف يؤثّر حجم المجموعة على سلوكنا؟
هل تصف نفسك بشكل ثابت؟ غالبًا ما تعكس عبارات مثل “أنا شخص جيّد أساعد الآخرين دائمًا” أو “أنا شخص مجتهد أفعل كلّ شيء دائمًا بأفضل طريقة ممكنة” معتقدات الأفراد عن أنفسهم، وتشير إلى تصوّر ثابت ومتّسق لهويّتهم الذّاتيّة. يميل الأفراد إلى الاعتقاد بأنّ سماتهم الشّخصيّة ثابتة، وأنّ قيمهم ومبادئهم ستظلّ دائمًا بمثابة بوصلة للذّات، مهما كانت الظّروف. في الواقع، يتأثّر السّلوك البشريّ ويتغيّر وفقًا لمجموعة واسعة من العوامل، من بينها عدد الأشخاص الموجودين حولنا في موقف معيّن. يؤثّر حجم المجموعة علينا أكثر بكثير ممّا نعتقد، إذ يُعيد تشكيل شعورنا بالمسؤوليّة، ويؤثّر على تفاعلنا مع ما يجري من حولنا.
تصف العديد من الظّواهر الاجتماعيّة-النّفسيّة مواقف يتأثّر فيها سلوكنا، من بين أمور أخرى، بحجم المجموعة الّتي ننتمي إليها. من أبرز هذه الظّواهر هي “التّكاسل الاجتماعيّ” (Social Loafing)، حيث يميل الأفراد إلى بذل جهد أقلّ في مهمّة جماعيّة مقارنةً بالمهامّ الفرديّة. علاوة على ذلك، ينخفض الجهد كلّما كبرت المجموعة. قد يُعزى ذلك إلى شعور الأفراد بعدم تقدير جهودهم وإسهامهم ضمن المجموعة الكبيرة، وبالتّالي، يتضاءل الدّافع لبذل الجهد. وبالطّبع، تتأثّر ظاهرة “التّكاسل الاجتماعيّ” بطبيعة المجموعة، حيث قد يقلّ، أو حتّى يختفي، في المجموعة المتماسكة أو ذات الهويّة الجماعيّة القويّة. كذلك، تلعب طبيعة المهمّة دورًا في ذلك، إذ تقلّ ظاهرة “التّكاسل الاجتماعيّ” في المهامّ المعقّدة، الّتي يراها أعضاء المجموعة مهمّة، أو يشعرون بأنّ الجهد الجماعيّ ضروريّ لنجاحها.
في بعض الأحيان، يشعر الأفراد بأنّ جهودهم وإسهامهم لا يحظيان بالتّقدير الكافي ضمن المجموعة الكبيرة، وبالتّالي قد يتضاءل الدّافع لبذل الجهد. مثال على التّكاسل الاجتماعيّ | ويكيميديا, VIVIFYCHANGECATALYST
تفكيك عوامل التّكاسل
مؤخّرًا، نُشرت دراسة تناولت العوامل الّتي تؤثّر على التّكاسل الاجتماعيّ ضمن طواقم عمل قائمة. أظهرت النّتائج أنّ تأثير حجم المجموعة لا يقتصر فقط على ظروف المختبر، حيث تُجرى فيها هذه الدّراسات عادةً، بل أيضًا في بيئات طبيعيّة مثل أماكن العمل. شملت الدّراسة 23 مديرًا و 168 موظّفًا من شركتين مختلفتين. خضع المديرون لمقابلة منظّمة، حيث طُلب منهم فيها تقييم سلوك أعضاء الفريق وإسهامهم فيه. في المقابل، طُلب من الموظّفين ملء استبيانات فرديّة هدفت إلى فحص تقييمهم لمستوى إسهامهم في الفريق، وما إذا كانوا يتقاضون أجرًا عادلًا، ومدى تأثير التّكاسل الاجتماعيّ على أعضاء الفريق الآخرين، وإلى أيّ مدى تفاعلوا مع أعضاء الفريق الآخرين أثناء عملهم. بالإضافة إلى ذلك، فُحص حجم الفريق ودرجة التّماسك بين أعضائه.
حَدّدت الدّراسة ثلاثة عوامل نفسيّة تزيد من التّكاسل الاجتماعيّ: شعور الموظّفين بالاعتماد على زملائهم، شعورهم بضعف تأثير جهودهم كأفراد، وشعورهم بأنّ رواتبهم أقلّ إنصافًا. تماشيًا مع توقّعات الباحثين، وُجدت علاقة بين حجم المجموعة والتّكاسل الاجتماعيّ، إذ لوحظ ذلك بشكل أكبر في المجموعات الأكبر. بالإضافة إلى ذلك، وُجد أنّ ارتفاع مستوى التّماسك بين أعضاء الفريق يُقلّل من التّكاسل الاجتماعيّ: يميل الموظّفون الّذين يعتقدون أنّ زملاءهم “متكاسلون” إلى بذل جهد أكبر، ربّما في محاولة للتّعويض عمّا اعتبروه نقصًا في جهد زملائهم.
كذلك، قد تقدّم ظاهرة “اِنتشار المسؤوليّة” (Diffusion of Responsibility)، إحدى الظواهر الاجتماعيّة-النّفسيّة المرتبطة بحجم المجموعة، تفسيرًا بديلًا للتّغيير في سلوكنا ضمن مجموعة كبيرة. وفقًا لهذه الظّاهرة، كلّما كانت المجموعة أكبر، قلّت المسؤولية الفرديّة، نظرًا لأنّها تتوزّع على عدد أكبر من الأفراد. في المجموعات الكبيرة، قد نشعر بأنّ إسهاماتنا غير ضروريّة لضمان نجاحها، أو نفترض أنّ شخصًا آخر سيتولّى المهمّة، وبالتّالي نميل إلى اتّخاذ مبادرات أقلّ.
تُعدّ هذه الظّواهر مهمّة في مجالات عديدة، بما في ذلك التّعليم والعمل. على سبيل المثال، قد تُبرز الأبحاث المتعلّقة بالتّكاسل الاجتماعيّ وانتشار المسؤوليّة أهمّيّة تحديد الحجم الأمثل للمجموعة، إذ تُظهر الدّراسات أنّ الحجم الأمثل لمعظم المهامّ هو خمسة مشاركين. للتّغلّب على ظاهرة التّكاسل الاجتماعيّ، يُنصح بتحديد أدوار ومسؤوليّات واضحة لكلّ عضو في الفريق، وإضافة محطّات وسيطة تقدّم تقييمًا شخصيًّا لإسهام كلّ عضو في الفريق ودرجة إسهامه.
أظهرت الدّراسات أنّه كلّما زاد عدد المتفرّجين، قلّت احتمالية تقديم المساعدة. فتاة تمرّ جانب رجل نائم على الرّصيف، كندا. | ويكيميديا، The Blackbird
الوقوف جانبًا
تتعلّق كذلك ظاهرة “تأثير المتفرّج” (Bystander Effect) بحجم المجموعة، حيث يميل الأفراد إلى مساعدة الآخرين بشكل أقلّ عند وجود آخرين. أظهرت الدّراسات أنّه كلّما زاد عدد المتفرّجين، قلّت جاهزيّة الأفراد للمساعدة. فحصت دراسة نشاط الدّماغ أثناء مشاهدة مقاطع فيديو لشخص في ضائقة مع عدد متفاوت من الشّهود. أظهرت النّتائج أنّ مناطق الدّماغ المرتبطة بالاستعداد للتّدخّل كانت أقلّ نشاطًا عند تسجيل عدد أكبر من الأفراد في الفيديو، بينما زاد نشاط المناطق المرتبطة بالمعالجة البصريّة والانتباه. وجد الباحثون علاقة بين هذه الزّيادة ومدى تعقيد الحدث نفسه وبالمدخلات البصريّة الّتي تعرّض لها المشاركون.
يمكن تفسير ارتباط تأثير المتفرّج بحجم المجموعة من خلال ظاهرة انتشار المسؤوليّة، فعندما يكون هناك عدد أكبر من الأفراد، نتوقّع من شخص آخر أن يتدخّل للمساعدة. كما يُطرح تفسير آخر محتمل، يتمثّل في أنّ وجود عدد أكبر من النّاس يعزّز الإدراك الذّاتيّ لدى الأفراد، ممّا يجعلهم أكثر قلقًا بشأن كيفيّة الحكم على أفعالهم من قبل الآخرين. في مواقف يسودها عدم اليقين بشأن ضرورة التّدخّل، يميل البشر إلى مراقبة ردود أفعال الآخرين بحثًا عن أدلّة في سلوكيّاتهم حول استجابتهم المتوقّعة أو المناسبة. إذا لاحظنا عدم استجابة الآخرين، فمن المرجّح أن نفترض أنّ الشّخص ليس في ضائقة، وأنّه لا داعي للمساعدة.
من أشهر حالات ظاهرة تأثير المتفرّج هي جريمة قتل كيتي جينوفيز (Kitty Genovese)، الّتي طُعنت خارج شقتها في مدينة نيويورك عام 1964. ووفقًا لتقرير صحفيّ نُشر بعد الحادثة، سمع 38 شخصًا صراخها، بل وشاهد بعضهم جزءًا من الاعتداء، لكن لم يحاول أيّ منهم المساعدة أو الاتّصال بالشّرطة. بعد سنوات عديدة، شكّك الجميع في مصداقيّة التّقارير الصّحفيّة عن سلوك الشهود، لكنّ القضيّة لا تزال ذات أهمّيّة، إذ جعلتها مجالًا بحثيًّا مهمًّا.
قد يساعد زيادة الوعي بانتشار العنف الجنسيّ وتأثيره في الحدّ من ظاهرة المتفرّج. رجل يتحرّش بامرأة. | Shutterstock, yamel photography
ما الّذي يمكن فعله؟
اِستنادًا إلى أبحاث علم النّفس المجتمعيّ، نُشرت دراسة تناولت ظاهرة تأثير المتفرّج في حالات العنف الجنسيّ، واقترحت عددًا من الاستراتيجيّات الّتي قد تُسهم في الحدّ من هذه الظّاهرة: زيادة الوعي لمدى انتشار العنف الجنسيّ وتأثيره، تعزيز الشّعور بالمسؤوليّة لدى أفراد المجتمع، وتوفير المهارات الّتي تُمكّن المتفرّجين من تقديم المساعدة بفعاليّة في مثل هذه الحالات. إضافةً إلى ذلك، يُشير الباحثون إلى أهمّيّة ترسيخ معايير مجتمعيّة داعمة تُشجّع على التّدخّل، والتّرويج لحالات المساعدة في حالات الضّيق لتعزيز النّماذج النّاجحة، وتوضيح ما يُعدّ حالة طوارئ، للحدّ من الالتباس في مثل هذه الحالات. ورغم أنّ المقالة تتناول حالات العنف الجنسيّ، إلّا أنّ هذه الاستراتيجيّات قد تكون ذات صلة أيضًا في حالات طوارئ أخرى.
لذا، فإنّ ما يبدو سمات شخصيّة ثابتة، مثل “أساعد دائمًا” أو “أنا مجتهد”، هي في الواقع متغيّرات معقّدة تعتمد، أيضًا، على الموقف. إنّ إدراك ظواهر مثل التّكاسل الاجتماعيّ، اِنتشار المسؤوليّة، وتأثير المتفرّج، يمكن أن يجعلنا أكثر انخراطًا عند الضّرورة، حتّى لو كنّا جزءًا من مجموعة كبيرة. إنّ إدراك تأثير حجم المجموعة على مسؤوليّتنا وجهودنا لا يسمح لنا فقط بفهم أنفسنا وبيئتنا بشكل أفضل، بل، أيضًا، بالتّصرّف بذكاء أكبر.