سطع نجم العديد من العقول اللّامعة الّتي أحدثت تحوّلًا جذريًّا في مسار علم الرّياضيّات، فبرزت أسماء خالدة نجحت في ترسيخ أعمالها، ليس في عصرها فحسب، بل امتدَّ تأثيرها ليطال الأزمنة اللّاحقة. لم يكن اختيار عشرة عمالقة بالأمر الهيّن، إذ امتلأ التّاريخ بالكثير من الرّياضيّين العظماء، ممّا استلزم تفكيرًا عميقًا وقرارات حاسمة. ولكن، في قائمة “العشرة الأوائل”، لا مجال إلّا للأبرز!
يمكن تصنيف هؤلاء العمالقة إلى ثلاث فئات، وفقًا لأسباب إدراجهم في القائمة:
هناك من أحدثوا ثورات فكريّة ضخمة، فنجحوا باكتشاف مجالات رياضيّة جديدة غيّرت معالم الرّياضيّات. وثلاثة آخرون لا يمكن حصر إرثهم العلميّ واقتصاره بإنجازٍ واحد، إذ تركوا إرثًا عظيمًا يفوق الحصر. أمّا الفئة الأخيرة، فتضمّ ثلاثة أسماء تربّعت على قمّة القائمة، حيث يشكّل كلّ واحد منهم ركيزة أساسيّة لما نعرفه اليوم باسم “الرّياضيّات”.
آفاق جديدة
المركزان التّاسع والعاشر معًا: إسحاق نيوتن وغوتفريد لايبنتز
يتقاسم كلّ من غوتفريد فيلهلم لايبنتز (Leibniz) وإسحاق نيوتن (Newton) المرتبتين التّاسعة والعاشرة، لا لشيء إلّا لأنّهما كانا العقلين اللّذين قدّما للعالم حساب التّفاضل والتّكامل. كان الاثنان من ألمع عقول أوروبا في عصريهما، بل وربّما في العالم بأسره. بَرع الاثنان في مجالاتٍ عدّة غير الرّياضيّات، حيث ارتبط اسم نيوتن بالفيزياء، بينما برز لايبنتز في علم الفلسفة. جمعت الاثنين علاقة تقدير متبادل، إذ تبادلا رسائل عالجت مواضيع عدّة، وكانا بلا شكّ من ألمع العقول الرّياضيّة في زمانهما.
حساب التّفاضل والتّكامل أو “اللّامتناهي في الصّغر”، هو فرع رياضيّ يدرس التّغيّرات الطّفيفة الّتي تكاد تكون غير محسوسة. نجح هذا العلم في تقديم الإجابات الحاسمة لأسئلة حيّرت العلماء آلاف السّنين، مثل مفارقات زينون الشّهيرة. أسهم الاثنان في تطوير فرع أساسيّ في علم الرّياضيّات، حيث أصبح من الممكن وصف الظّواهر المتغيّرة مع الزّمن، وحساب المساحات المعقّدة، والمزيد المزيد من العمليّات. كما وسُميّت
النّظريّة الأساسيّة في هذا المجال باسميهما: نظريّة نيوتن-لايبنتز الأساسيّة.
ولكن، للأسف، لم تكن نهاية قصّتهما المشتركة سعيدة، فقد اشتعلت بينهما معركة علميّة امتدّت سنوات، إذ تصاعدت الخلافات حول صاحب الفضل الحقيقيّ في تطوير علم التّفاضل والتّكامل. وكما يليق بالعمالقة، دخل نزاعهما التّاريخ، إذ كان هذا الصّراع أحدّ أشد النّزاعات الفكريّة في التّاريخ.

صداقة علميّة تحوّلت إلى صراع شديد. نيوتن (على اليمين) ولايبنتز | DR JEREMY BURGESS / ANN RONAN PICTURE LIBRARY / HERITAGE IMAGES / SCIENCE PHOTO LIBRARY
المركز الثّامن: غيورغ كانتور
“لن يطردنا أحد من الفردوس الّذي أنشأه لنا كانتور” بهذه الكلمات عبّر ديفيد هلبرت (الّذي كاد أن يكون ضمن هذه القائمة) عن أهمّيّة إنجازات غيورغ كانتور (Cantor). لم تكن كلماته مجرّد إشادة عابرة، إنّما كانت انعكاسًا للأثر العميق للثّورة الفكريّة الّتي أحدثها كانتور من خلال إنشائه نظريّة المجموعات. تشكّل هذه النّظريّة أهمّ ركائز الرّياضيّات الحديثة، إذ أسهمت في صياغة وتطوير مفاهيم لم يكن من الممكن حتّى ذلك الحين تصوّر صياغة دقيقة لها.
أسهمت فكرة “المجموعة” في خلق مفهوم رياضيّ شامل ومشترك، حيث سمحت بصياغة أفكار بسيطة مثل الأرقام، وأخرى أكثر تعقيدًا من أن تُذكر في هذا السّياق. كما وكشفت نظريّة المجموعات أسرار اللّانهاية بشكلٍ قاطع، إذ لم تمكّننا من كشف قوانين الحسابيّات للأحجام اللّانهائيّة والمقارنة بين المجموعات اللّانهائيّة وحسب، بل بيّنت، في اكتشافٍ عجيب، أنّ اللّانهاية نفسها تأتي في أحجام ومستويات مختلفة.
لقد أسّس كانتور نظامًا رياضيًّا لم يسبق له مثيل، ومن الصّعب تصوّر علم الرّياضيّات دون هذه الأُسس.

أساس مفاهيميّ مشترك لجميع فروع الرّياضيّات. كانتور في صورة تعود لعام 1894، وخلفه رسم توضيحيّ يعبّر عن نظريّة المجموعات| ROBERT BROOK / SCIENCE PHOTO LIBRARY, Wikipedia, Public Domain
المركز السّابع: براهماغوبتا
ما هي الفكرة الرّياضيّة الّتي قد ترفع صاحبها إلى مكانة تتجاوز حتّى مكتشف عوالم اللّانهاية؟ لا بدّ أن تكون فكرة بديهيّة لدرجة تدفعنا للتّساؤل: لماذا لم تكن موجودة منذ البداية!؟ فقد عاش البشر قرونًا دون أن يشعروا بالحاجة إلى رمز يُعبّر عن “لا شيء”، إلى أن جاء براهماغوبتا (Brahmagupta).
برز اسم براهماغوبتا في القرن السّابع الميلاديّ، وتحديدًا في الهند، في وقت لم يكن فيه لمفهوم الصّفر أيّ وجود في أعمال إقليدس أو فيثاغورس أو حتّى أرخميدس، بل إنّ حضارات عظيمة، كالمصريّة والبابليّة، نشأت وازدهرت ثمّ اندثرت دون أن تدرك الأهمّيّة الجوهريّة لهذا المفهوم. صحيح أنّ الصّفر ظهر سابقًا كرمز أو فاصلة يُستخدم للدّلالة على الفراغ في بعض الأنظمة العدديّة القديمة، لكنّه لم يُعامل ككيان رياضيّ مستقلّ له خصائصه الحسابيّة إلّا على يد براهماغوبتا، الّذي كان أوّل من وضع القواعد الحسابيّة لهذا الرّقم الفريد.
ولكن كيف لعدد يعبّر عن العدم أن يحظى بهذه الأهمّيّة؟ أسهم اكتشاف الصّفر في فتح آفاق جديدة في علم الرّياضيّات، إذ مكّن العلماء من إدراك الجانب الآخر”الأعداد السّالبة” من خطّ الأعداد، فكان الصّفر بمثابة نقطة انطلاق لمرحلة رياضيّة جديدة، أدّت إلى اكتشافات مفاهيم مذهلة. وهكذا، أصبح “اللّا شيء” الّذي قدّمه براهماغوبتا حجر الأساس الّذي بُنيت عليه عوالم كاملة من الرّياضيّات.

مدخل إلى رحلة مذهلة. عالم فلك هنديّ يراقب ويبحث في أعمال براهماغوبتا. الرّسم مأخوذ من كتاب يعود إلى أوائل القرن التّاسع عشر | ويكيبيديا، الملكيّة العامّة.
عمالقة الرّياضيّات
المركز السّادس: ليونهارت أويلر
يُعدّ ليونهارت أويلر (Euler) أوّل العمالقة الثّلاثة في قائمتنا. وكغيره من العلماء قبل القرن العشرين، برع أويلر في عدّة مجالات، منها الفيزياء، الفلك والهندسة، إلى جانب كونه أحد أعظم الرّياضيّين في التّاريخ. وحتّى إذا نظرنا إلى إنجازاته الرّياضيّة فحسب، فمن الصّعب الإشارة إلى إنجازه الأبرز، إذ نجح أويلر في تحديد معالم العديد من المجالات الرّياضيّة المختلفة والمتنوّعة، مثل حساب التّفاضل والتّكامل، نظريّة البيان، التّوبولوجيا ونظريّة الأعداد.
لم تقتصر أعمال أويلر على تطوير المعادلات والنّظريّات فحسب، بل ويعود له الفضل في تعريف العديد من المصطلحات والرّموز الرّياضيّة الّتي ما زالت قيد الاستخدام حتّى يومنا هذا. ومن الإجحاف اعتبار هذه الإسهامات مجرّد تحسينات شكليّة، إذ كان لها أثرٌ جوهريّ في تطوير علم الرّياضيّات. فغالبًا ما يكون التّدوين الصّحيح هو المفتاح لفهم المفاهيم الرّياضية بوضوح ودقّة أكبر. إذا أخذنا أحد الأمثلة البارزة – رمز الدّالّة، نعم، هذا الرّمز المألوف f(x)w – فهو أيضًا من اكتشاف أويلر. لقد حيّرت فكرة الدّوالّ علماء الرّياضيّات سنواتٍ عدّة ولم ينجحوا في تحديد مفهوم الاقترانات وماهيّة حقيقتها. بعد أعمال أويلر، أصبح مجال تحليل الدّوالّ أكثر وضوحًا وتنظيمًا، ممّا مهّد الطّريق لتطوّر هذا الفرع إلى آفاق غير مسبوقة. كما ويعدّ أويلر المسؤول عن تطوير هذه الرموز e, i, Π. أمّا فيما يتعلّق بلمساته الأخيرة السّحريّة، فهناك معادلة تُوصف بأنّها “أجمل معادلة رياضيّة على الإطلاق” بإجماع أغلب الرّياضيّين: eiΠ+1=0، هذه المعادلة، المعروفة باسم هويّة أويلر، تربط بين خمسة من أهمّ الأعداد في الرّياضيّات في علاقة واحدة مذهلة.
لقد كان إرث أويلر العلميّ هائلًا، وربّما يفوق أيّ رياضيّ آخر في التّاريخ، إذ بفضله أصبحت الرّياضيّات أكثر تنظيمًا ودقّةً ومنهجيّةً.

أجمل معادلة في الرّياضيّات . أويلر والتلسكوب الذي يحمل اسمه في تشيلي | zabanski, Shutterstock, BABAK TAFRESHI / SCIENCE PHOTO LIBRARY
المركز الخامس: أرخميدس من سرقوسة
لطالما حظي أرخميدس (Archimedes، باليونانية: Αρχιμήδης) بمكانة خاصّة بين العلماء، إذ يُعدّ ثاني أعظم رياضيّ في التّاريخ، ولولا اندثار الكثير من أعماله على مرّ العصور، لحظي برتبة أعلى في قائمتنا هذه. عاش أرخميدس قبل أكثر من ألفي عام، ولم تصلنا أيّ من مؤلّفاته الأصليّة، فما نعرفه عنه اليوم مستمدّ ممّا نقله تلامذته والعلماء الّذين تبعوه. ورغم أنّنا لا نملك إلّا قطع “بازل” متفرّقة من أعماله، إلّا أنّها كانت كافية لتكشف عن عقل عبقريّ فذّ سابق لزمانه بقرون.
لم يكن أرخميدس مجرّد رياضيّ بسيط، بل نجح بالتّنبّؤ بالعديد من المفاهيم المتقدّمة في نظريّة الأعداد والهندسة. وتمثّل أعظم تنبّؤاته في استباقه لمفهوم حساب التّفاضل والتّكامل، الّذي لم يظهر بصورته الكاملة إلّا بعد نحو 2000 عام على يد نيوتن ولايبنتز. كما ونجح أرخميدس في ابتكار تقنيّات لحساب المساحات والتّعامل مع الأعداد اللّانهائية بدقّة متناهية لم ينجح أحد من عصره ولا في القرون الّتي تلت عصره حتّى من مجاراته. لا يمكننا تصوّر أو فهم طريقة تفكير هذا العبقريّ. ولكن، رغم عبقريّته الفائقة، لم يقم أرخميدس بإثبات أيٍّ من نظريّاته ومعادلاته بالطّرق الرّياضيّة الّتي نستخدمها اليوم، وذلك ليس بسبب نقص في معرفته، بل لأنّ الرّياضيّات اللّازمة لهذه الإثباتات لم تكن قد تطوّرت بعد في عصره. يمكن القول إنّ حدسه الرّياضيّ كان استثنائيًّا، واليوم، بعد إعادة تحليل أعماله، يمكننا أن نؤكّد بثقة أنّ استنتاجاته بلغت مستويات مذهلة من الدّقّة.
وكان أرخميدس من أوائل العلماء الّذين ربطوا بين الرّياضيّات وبعض الظّواهر الفيزيائيّة، ومن بين أعظم ابتكاراته في هذا المجال: مبدأ الرّوافع – الّذي لخّصه في جملته الشّهيرة: “أعطوني نقطة ارتكاز، وسوف أحرّك العالم!”، قانون الطّفو (مبدأ أرخميدس)، إضافةً إلى مضخّة أرخميدس الحلزونيّة، وأعماله في المرايا والانعكاسات.
أما نهاية أرخميدس، فقد كانت مأساوية. وفقًا لأحد أشهر الرّوايات الأسطوريّة، خلال احتلال الرّومان لمدينة سرقوسة، كان أرخميدس منكبًّا على أبحاثه، يرسم أشكالًا هندسيّة في الرّمل. اِقترب منه أحد الجنود الرّومان وأمره بالتّوقّف، لكنّه لم يعره اهتمامًا، فاستشاط الجنديّ غضبًا، واستلّ سيفه ليقتله على الفور، بينما صرخ أرخميدس: “دوائري، دوائري!”
صورة لأرخميدس على خلفيّة رسومات صمّمها ليوناردو دا فينشي لمضخّات من ابتكار أرخميدس، بالإضافة إلى المخلب الحديديّ الّذي استُخدِم ضدّ سفن الأعداء خلال الحصار الرّومانيّ على سرقوسة | THE PRINT COLLECTOR / HERITAGE IMAGES / ANN RONAN PICTURE LIBRARY / HERITAGE IMAGES / SCIENCE PHOTO LIBRARY
المركز الرّابع: كارل فريدريش غاوس
لم يكن كارل فريدريش غاوس (Gauss) مجرّد عالم رياضيّات بارع، بل كان بلا منازع “أمير الرّياضيّات” وأعظم العظماء، ترك هذا العملاق الرّياضيّ بصمة واضحة في كلّ جوانب علم الرّياضيّات، فبات من المستحيل تحديد إنجازه الأبرز أو المجال الّذي تفوّق فيه أو حتّى أيّ سمة مركزيّة في أعماله. برع غاوس في غالبيّة فروع الرّياضيّات في عصره، حتّى أنّ أبرز النّظريّات الأساسيّة والعميقة في كلّ فرع من هذه الفروع كانت من صياغته. فقد كان غاوس أوّل من أثبت ‘النّظريّة الأساسيّة للجبر’ (الّتي صاغها أويلر من قبل)، أمّا بالنّسبة لعلم الإحصاء، فإنّ منحى التّوزيع “الطّبيعيّ” لمعظم الظّواهر يُعرف باسمه (منحنى غاوس). وفي مجال الأعداد المركّبة، فالطّريقة المعتادة لوصف هذه الأعداد هي باستخدام ‘مستوى غاوس’. كذلك، في الهندسة التّفاضليّة، يُعبَّر عن نسبة انحناء الأسطح بمفهوم “اِنحناء غاوس”، والمزيد المزيد من الإنجازات. في كلّ زاوية من عالم الرّياضيّات هناك شيء جميل عميق وأساسيّ مرتبط باسم غاوس.
تجاوزت عبقريّة غاوس كلّ الحدود، حيث امتدّت لتشمل المجالات التّطبيقيّة من الرّياضيّات مثل الكهروستاتيكية والفلك والجيوفيزياء والبصريّات. كما وكان له العديد من الأعمال الثّوريّة في الجانب النّظريّ من الرّياضيّات، إذ تحدّى البديهيّات الإقليديّة الّتي ظلّت راسخة لقرون، فقد تمكّن غاوس من تصوّر ووصف نظام هندسيّ جديد يخضع لقوانين مغايرة تمامًا لقوانين إقليدس.
لا شكّ أنّ غاوس يتربّع على قمّة عمالقة الرّياضيّات، ولو كان تصنيفنا الحاليّ يعتمد فقط على حجم الإنجاز والتّأثير الشّخصيّ، لكان غاوس بلا منازع في المركز الأوّل، متقدّمًا على الجميع بفارق ملحوظ.

عملاق يعلو فوق الجميع. تمثال لغاوس في مسقط رأسه، براونشفايغ، ألمانيا، يتوسّط توقيعه وعناصر من أعماله | تصوير: Mikhail Markovskiy, Shutterstock
ركائز الرّياضيّات:
المركز الثّالث: رينيه ديكارت
اِستحق هؤلاء العمالقة المراكز الثّلاثة الأولى في قائمتنا بفضل أفكارهم الفذّة والجوهريّة الّتي ارتكز عليها علم الرّياضيّات الحديث. لا شكّ أنّهم قدّموا أعمالًا فرديّة غاية في الأهمّيّة، ولكن الأهمّ من ذلك أنّهم مثّلوا ثلاثة أفكار عظيمة ومحوريّة شكّلت أساسًا جذريًّا في علم الرّياضيّات.
أعمال رينيه ديكارت (Descartes) غنيّة عن التّعريف، وكلّ من أنهى مرحلة التّعليم الإعداديّة في البلاد، سبق واطّلع على أعماله. ورغم أنّ ديكارت لم يكن أوّل وآخر من طوّر مجال الهندسة التّحليليّة، إلّا أنّ اسمه ارتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا المجال، لدرجة أنّ نظام الإحداثيّات الّذي يُعتبر أساسًا لمفهوم الهندسة التّحليليّة أصبح يُعرف باسمه – النّظام الدّيكارتيّ.
الفكرة بسيطة في جوهرها: نجح ديكارت في تمثيل النّقاط، الأشكال، والخطوط الهندسيّة باستخدام المعادلات الجبريّة. بفضل نظام الإحداثيّات، يمكن تحديد أيّة نقطة بواسطة أزواج من الأعداد (الإحداثيّات)، بينما يمكن تمثيل المستقيمات والمنحنيات باستخدام معادلات رياضيّة. وبذلك، أصبح من الممكن تمثيل الأفكار الهندسيّة أو البيانيّة باستخدام الجبر، والعكس صحيح، حيث يمكن التّعبير عن المفاهيم الجبريّة هندسيًّا.
لم تقتصر أعمال ديكارت على ابتكار أداة فعّالة فحسب، بل كان أوّل من وحّد بين مجالين مختلفين تمامًا في الرّياضيّات، موضّحًا أنّ كلًّا منهما يمثّل منظورًا مختلفًا لنفس المفاهيم. بفضل ديكارت أصبح التّنقّل بين عوالم الرّياضيّات المختلفة أمرًا أساسيًّا وجوهريًّا حتّى بات من المستحيل تصوّر علم الرّياضيّات دونه. ولعلَّ مُبرهنة فيرما الأخيرة خير مثال لذلك، حيث تطلّب إثبات هذه النّظريّة استخدام المنحنيات الإهليلجيّة ومفاهيم أخرى تبدو بعيدة كلّ البعد عن الأعداد الصّحيحة والأسس الّتي تتمحور حولها المبرهنة، ولكن بفضل فكرة ديكارت الّتي نجحت في خلق الرّوابط بين فروع الرّياضيّات المختلفة، أصبح هذا الانتقال أمرًا ممكنًا، بل أساسيًّا في علم الرّياضيّات.
ولهذا، فإنّ ديكارت يحتلّ المركز الثّالث ليس فقط بفضل أعماله، ولكن بفضل الفكرة العميقة التي يمثّلها: إنّ فهم الرّياضيّات يعتمد على إيجاد العلاقات بين المجالات المختلفة.

وَحَّد بين مجالين كانا يبدوان منفصلين. صورة لرينيه ديكارت مع أعماله، وخلفيّة تُظهر نموذج الكون الذي وضعه | المصادر: OXFORD SCIENCE ARCHIVE / HERITAGE IMAGES / SCIENCE SOURCE / SCIENCE PHOTO LIBRARY
المركز الثّاني: الخوارزميّ
أمّا بالنّسبة لمحمّد بن موسى الخوارزميّ (Al-Khwarizmi) أو كما عُرف بـ “أبو عبد الله”، فقد حظي بهذه المرتبة الرّفيعة نسبةً لأفكاره الفذّة والثّوريّة في الجبر، إذ كان أوّل من طوّر هذا المفهوم بشكل مستقلّ ومنهجيّ، حتّى بات يُعرف ب “أبو الجبر”. لطالما كانت الأعداد محورًا أساسيًّا للرّياضيّات، لكنّ التّعامل معها كان دائمًا مباشرًا وبدائيًّا إلى حدٍّ ما، إلى أن جاء الخوارزميّ وغيّر هذه القواعد.
يصعب تحديد جوهر الجبر بدقّة، فهو أعمق من مجرّد حلّ المعادلات أو استخدام الرّموز. فلو كان الأمر كذلك، لحظي آخرون بالتّقدير بدلًا من الخوارزميّ، إذ تكمن فكرة الجبر الأساسيّة في التّجريد، أي القدرة على التّعميم وتصنيف المشكلات الرّياضيّة المتعلّقة بالأعداد، على اختلاف أنواعها، تحت فئة واحدة. ومن ثمّ تحويل هذه الفئة الى كيان رياضيّ مستقلّ بحدّ ذاته، يتمتّع بخصائصه وقواعده الخاصّة، وبالتّالي دراسته بنفس الطّريقة الّتي تمّ بها دراسة الأعداد في السّابق.
تنبع أهمّيّة فكرة التّجريد الّتي جاء بها الخوارزميّ من كونها أضفت بعدًا عميقًا لتطوّر الرّياضيّات. فالرّياضيّات تتقدّم أساسًا من خلال مستويات متزايدة من التّجريد. فقد نجح الخوارزميّ في إعادة تشكيل نظرتنا إلى المعادلات الرّياضيّة، حيث تعامل معها باعتبارها حالات خاصّة تندرج تحت فئة عامّة، وهي المعادلة التّربيعيّة، الّتي يمكن حلّها وفق قواعد موحّدة، ممّا أسّس لمنهجيّة رياضيّة أكثر شموليّة ومرونة، فعندما يتمّ تطبيق هذا النّهج مرّة واحدة، يمكن الاستمرار فيه مرارًا وتكرارًا. فالمعادلات التّربيعيّة، والمعادلات الخطّيّة، والمعادلات من الدّرجة الثّالثة كلّها حالات خاصّة من “متعدّدات الحدود”، الّتي أصبحت بدورها كيانًا مستقلًّا يمكن دراسته وتحليله. وبالمثل، يمكن اعتبار عمليّات الجمع والضّرب مجرّد حالات خاصّة من “العمليّات الرّياضيّة”، ممّا يفتح آفاقًا أوسع لفهم الرّياضيّات بشكل أكثر تجريدًا وعمقًا.
تشكّل القدرة على إدراك أنّ مجموعة من العناصر الّتي تبدو مختلفة ما هي إلّا حالات خاصّة تنتمي لكيان واحد الرّكيزة الثّانية الّتي يقوم عليها علم الرّياضيّات. لم يكن الخوارزميّ أوّل من تبنّى هذا النّهج، إذ استند، كغيره من العلماء، إلى إنجازات مَنْ سبقوه، ولكنّه كان أوّل من قدّم هذا المبدأ بصورة واضحة، منهجيّة ومنطقيّة، ممّا منحه مكانته الرّفيعة في تاريخ الرّياضيّات.

التقدّم نحو مستويات متزايدة من التجريد. تمثال للخوارزميّ يستخدم الإسطرلاب في جامعة طهران، يظهر في الخلفيّة صفحة من كتابه “الجبر”، بالإضافة إلى طابع سوفيتيّ تخليدًا لذكراه | تصوير: M. Tomczak, Public domain, Wikipedia
المركز الأوّل: إقليدس
مارس البشر الرّياضيّات قبل ولادة إقليدس الإسكندريّ (Euclid או Εὐκλείδης ) بآلاف السّنين، فقد كانوا يعدّون، يقيسون ويحسبون. أحصى الإنسان الأوّل أعداد الماموث وأيّام السّنة، وقارن المصريّون القدامى مساحات معقّدة للغاية، بينما نجح البابليّون في حلّ مسائل تقترب كثيرًا من المعادلات التّربيعيّة، ووصل الفيثاغوريّون إلى نتائج مذهلة قبل قرون من ولادة إقليدس.
لم تكن الرّياضيّات قبل إقليدس تشبه الرّياضيّات الّتي جاءت بعده. لعقود طويلة بعد وفاته، لم يكن هناك مرجع رياضيّ أعظم من كتابه “العناصر“، وبالرّغم من عدم مقدرتنا على التّمييز بين أعمال إقليدس الخالصة الواردة في هذا الكتاب وبين أعمال غيره من العلماء، فإنّ إقليدس لم يتصدّر رأس هذه القائمة بفضل إنجازاته الفرديّة، إنّما بسبب منهجيّته الفريدة في التّنظيم والتّنسيق، فهو هنا ليمثّل كتاب العناصر الّذي يمثّل الهندسة الرّياضيّة، الّتي تمثّل بدورها جوهر الرّياضيّات.
على الرّغم من أنّ بعض فروع الرّياضيّات شهدت ازدهارًا قبل عصر إقليدس، إلّا أنّ الطّابع الفرديّ كان السّمة الغالبة على هذا العلم آنذاك، فقد انصبّ التّركيز على حلّ المشكلات بشكل مستقلّ، حيث قد تساعد إحدى المسائل في حلّ أخرى، لكن دون وجود إطار عام وموحّد يربط بين هذه العمليّات المنفصلة.
كان استخدام مفهوم المسلّمات أو “الأكسيومات” من أعظم إنجازات إقليدس بل من أعظم الإنجازات في تاريخ الرّياضيّات عامّة. ورغم أنّه لم يكن أوّل من طرح هذا المفهوم، إلّا أنّه كان الرّائد في صياغته بأسلوب واضح ومنهجيّ، فقد عمل إقليدس على تنظيم المعرفة الهندسيّة في عصره من خلال التّساؤلات التّالية: ” كيف نعرف أنّ هذه الفرضيّة صحيحة؟ وإن كانت صحّة هذه الفرضيّة مبنيّة على فرضيّة أخرى، فكيف لنا أن نثبت صحّة الثّانية؟ وإن اعتمدت على ثالثة، فماذا عنها؟ وبدلًا من الدّخول إلى سلسلة من التّساؤلات اللّامنتهية، أدرك إقليدس أهمّيّة تحديد أساس ممنهج مبنيّ على مجموعة من المسلّمات، وهي أفكار بديهيّة تُقْبَل دون الحاجة إلى إثبات، لتكون نقطة الانطلاق الّتي تُبنى عليها جميع الاستنتاجات اللّاحقة.
تطوّر مفهوم المسلّمات وتغيّرت بعض معالمه مع مرور الزّمن، ولكنّ جوهر الفكرة ظلّ ثابتًا، فما زالت المسلّمات ترسم مسارًا واضحًا لعلم الرّياضيّات، يمضي قدمًا، خطوة وراء الأخرى، وفق تسلسل منطقيّ من المسلّمات وصولًا للاستنتاجات الجديدة. وتشكّل كلّ من هذه المسلّمات والإثباتات الفكرة المركزيّة بل الأكثر أهمّيّة في علم الرّياضيّات، ألا وهي الاستنتاجيّة أو الاستنباط. فلم تعد الرّياضيّات مجرّد مجموعة من الحقائق أو المسائل المنفصلة، بل أصبحت نظامًا منطقيًّا شاملًا تنبثق فيه الحقائق من بعضها البعض.
سوف تظلّ بصمة إقليدس حاضرة في مجال الرّياضيّات، فقد أحدث ثورة غيّرت ملامح هذا العلم إلى الأبد. فكما ذكرنا، لم تكن الرّياضيّات قبل إقليدس كما أصبحت بعده، إذ وضع أسسًا راسخة لا تزال تؤثّر في طريقة تفكيرنا حتّى اليوم. فكلّ مَنْ جاء بعده قرأ كتاب العناصر، وتأثّر به. ولا تزال المناهج التّعليميّة إلى يومنا هذا تستند إلى مبادئ هذا الكتاب.

منظومة منهجيّة يتبع فيها كلّ استنتاج ما سبقه. إقليدس في لوحة جداريّة من القرن الرّابع عشر وإصدار لاتينيّ من كتاب العناصر: ROYAL ASTRONOMICAL SOCIETY / SHEILA TERRY / SCIENCE PHOTO LIBRARY
نجوم خارج القائمة
هناك العديد من العقول الرّياضيّة العظيمة الّتي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الرّياضيّات، لكنّها لم تُدرج ضمن هذه القائمة. من بين هؤلاء نذكر ديفيد هيلبرت، الّذي صاغ 23 مسألة رياضيّة مفتوحة شكّلت مسار البحث الرّياضيّ في القرن العشرين؛ وكورت غودل الّذي أحدثت مبرهناته حول عدم الاكتمال تأثيرًا عميقًا في عالمَي الرّياضيّات والفلسفة؛ وإيمي نويثر الّتي أعادت صياغة علم الجبر الحديث؛ وألان تورينج الرّائد والمؤسّس لعلوم الحاسوب؛ وهيباتيا عالمة الرّياضيات في القرن الرّابع، الّتي أصبحت نسختها من كتاب العناصر لإقليدس الأكثر تداولًا لقرون؛ وإيفاريست غالوا الّذي يُقال إنّه من الممكن أن يكون من أعظم الرّياضيّين في التّاريخ لولا نهايته المأساويّة في سنّ مبكرة.
وبالطّبع، لا يمكننا التّحدّث عن عمالقة الرّياضيّات دون أن نذكر كلًّا من: فيثاغورس بنظريّته الشّهيرة، وفيرما بمبرهنته المعروفة، وباسكال بمثلّثه الرّياضيّ الفريد، وفبوناتشي بمتتاليته الشّهيرة، وغيرهم الكثير.
والآن حان دورك! هل تعتقد أنّ التّرتيب في قائمتنا كان عادلًا؟ وهل هناك أسماء بارزة غابت عنها؟ لا تتردّد في مشاركة رأيك بالتّعليقات، ولا تنسَ توضيح وجهة نظرك بإيجاز.