“كان ذلك هو الشيء الذي يُفترض أن يميزنا عن غيرنا في ذلك الزمان. استخدم الإنسان الأدوات وصنَعها، فعرّفنا أنفسنا بالإنسان صانع الأدوات، ولم يفعل ذلك غيرنا من المخلوقات. أما الآن فعلينا أن نعيد تعريف الإنسان، نعيد تعريف الأداة، أو نتقبل الشمبانزي عضوًا في المجتمع البشري”.
هكذا وصفت باحثة الشمبانزي المشهورة الراحلة جين غودول (Goodall) أفكارها، في فيديو قام بإنتاجه المعهد الذي يحمل اسمها، بعد أن شاهدت للمرة الأولى في حياتها قرد شمبانزي يستخدم الأدوات. حدث ذلك في محمية غومبي في تنزانيا في بداية ستينات القرن العشرين. تناول الشمبانزي الذي كانت جين تراقبه ساقا طويلة من العشب وأدخلها إلى مسكن النمل الأبيض ثم سحبها، فكانت مُغطّاة بالحشرات الغاضبة التي عضّت “الغازي” وتمسكت به. قرّب الشمبانزي الساق إلى فيهِ وأكلَ النمل بشهيّة.
فيما يلي الفيديو الذي أنتجته جين غودول ووصفت فيه اكتشاف استخدام الأدوات:
كان ذلك أول توثيق علمي لاستخدام الأدوات من قبل الحيوانات في الطبيعة، وكانت هذه القدرة محفوظة للإنسان وحده، كما قالت غودول. تحيط بنا الأدوات طوال اليوم وكل يوم وهي تساعدنا في تناول الطعام وفي العمل وتنظيف المنزل وتنظيف أنفسنا – تساعدنا في عمل كل شيء تقريبًا. لا شك بأننا – نحن بني البشر- النوع الأكثر تقدّمًا تكنولوجيًّا على الكرة الأرضية، ولكننا لسنا الوحيدين الذين يستخدمون الأدوات، حسب ما كشفته غودول. نحن نعرف اليوم، بعد مرور ستين عامَا على هذه المشاهدة التي حصلت في محمية غومبي بالإضافة لمعرفتنا المتزايدة عن الأدوات المختلفة التي يستخدمها الشمبانزي، أنّ هناك المزيد من الحيوانات التي تتمتع بالقدرة على استخدام الأدوات: القردة، الدلافين وحتى الطيور. ما زال هذا السلوك، رغم ما ذُكِر، نادرًا جدَّا في عالم الأحياء ونحن لا نعرف لماذا يستخدم حيوانٌ معين الأدوات في حين لا يستخدمها حيوان آخر مشابه له. يدّعي البعض أنّ ذلك يعود للقدرات الذهنية المختلفة لدى الحيوانات ويقول آخرون إنّ أنواعًا كثيرة لا تجد فائدة في استخدام الأدوات. قد يكون مفتاح استخدام الأدوات هو الاجتماعيات والصبر والتسامح.
ما هي الأداة؟
يجب أن نُعرّفَ ما المقصود بالأداة قبل الحديث عن استخدام الأدوات، وليس الأمر سهلًا كما قد يبدو لأول وهلة. هل يستخدم الطائر أدواتٍ لبناء عُشِّه؟ والفيل الذي يضخ الماء بخرطومه ويمرره إلى فيه؟ اعتادت الغربان على حمل حبات الجوز بمنقارها والطيران بها وإلقائها من الأعالي لتنكسر عندما تصطدم بالأرض. هل تستخدم الغربان الأرض كأداة؟
سيجيب غالبية الباحثين بالنفي على جميع هذه الأمثلة. يتطرق التعريف الشائع للأداة إلى غرضٍ لا يُشكِّل جزءًا من الكائن الحي ويمكن رفعه – أي أنه ليس جزءً ثابتًا من الأرض – ويستخدمه الحيوان لتغيير حالة شيءٍ أو كائنٍ آخر والحصول على هدف مُعَيّن. لا يوجد، على الرغم من ذلك، تعريف واحد متفق لاستخدام الأدوات.
لقد غيّر ساق العشب الذي استخدمه شمبانزي غودول كأداةٍ حالةَ النمل الأبيض إذ أخرجه من مسكنه، فبذلك ساعد ساق العشب الشمبانزي في بلوغ الهدف المرجوّ: أكْل النمل. في المقابل، لا تَستخدِم العصافير الغُصَيْنات، عند بنائها العش، لتغيير حالة شيءٍ آخر. كذلك لا يمكن اعتبار خرطوم الفيل أداةً لأنه يُشكّل جزءًا لا يتجزأ من جسده.أمّا إلقاء الغراب بحبات الجوز من الأعالي إلى الأرض، فيقف على حدود تعريف الأداة، إذ “يكاد يكون استخدامًا لها” فالغراب لا يمسك أداةً تؤدّي إلى إحداث تغييرٍ بحبة الجوز، بل يحصل التغيير نتيجة للفعل ذاته .
ويُميّز الباحثون بين استخدام الأدوات بشكلٍ دائم ومن قبل جميع أفراد النوع الحيواني والذي يعتبر سلوكًا مخلوقًا ولا توجد حاجة لتعلمه، وبين السلوك الذي تكتسبه الكائنات عن طريق التعلم. يندرج صيد الشمبانزي للنمل و إلقاء الغراب حبات الجوز إلى الصنف الثاني. في المقابل، تنتمي يرقات أرنيمال (نوع حشرة) إلى الصنف الأول؛ فهي تحفر حفرات في الرمل وتنتظر وقوع الفريسة فيها، وإذا تبيّن لها أنّ الفريسة قد نجحت في الهروب فإنها ترمي بحبيبات من الرمل نحوها وتؤدي بها إلى الإنزلاق داخل الحفرة. سنركز في هذه المقالة على الصنف الثاني: استخدام الأدوات الذي يتوجب على الحيوان أن يتعلمه بنفسه أو عن طريق مشاهدة الآخرين أو كلاهما – وهذا ما يحدث غالبًا.
الثدييات ذات الأدوات
من الذي يستخدم الأدوات في مملكة الطبيعة؟ قد لا يكون مفاجئًا أنّ الأنواع الأكثر قرابةً للإنسان، القرود والقرود البشريّة د خاصةً، هي التي يظهر لديها الميل الأكبر لتصنيع الأدوات واستخدامها. الشمبانزي، الحيوان الأقرب إلينا، هو بطل استخدام الأدوات بعد الإنسان. يستغل الشمبانزي الذي يعيش في أرجاء أفريقيا مواد مختلفة لاستخدامات متنوعة، لا تقتصر على “صيد” النمل الأبيض والنمل العادي. فيُكَسّر الشمبانزي حبّات الجوز بالاستعانة بالحجارة أو العصيّ; ويحصل على مياه الأمطار المتجمعة في آبار المياه وفي ثقوب جذوع الشجر بواسطة “اسفنجات” مصنوعة من الأوراق المطوية أو الطحالب فيقوم بإدخالها في الماء ثم يدخلها إلى فيه; ويستخدم العِصِيّ لفتح أجران النحل ليصل إلى العسل الذي يشتهيه كثيرًا. كما وشوهد الشمبانزي وهو يُحدّدُ رؤوس العِصِيِّ بأسنانه ويستخدمها في اصطياد حيوان الجيليجو، وهو ثديّ صغير قريب للقرد. يصيب الشمبانزي الجيليجو، الذي اعتاد الاختباء داخل ثقوب في الشجرة، بواسطة العصاة المحددة دون أن يُعَرّضَ نفسه للعضّ.
يعرض الفيديو التالي الشمبانزي وهو يصطاد حيوان الجيليجو
يستخدم إنسان الغاب (الأورانجوتان) الأدوات أيضًا ولكن أقل من قريبه الشمبانزي. فهو يستعين بالعصيّ للوصول إلى بذور فاكهة النيسية (Neesia) لذيذة الطعم دون الحاجة للمس الألياف التي تغلفها والتي تؤدي إلى إثارة الجلد، أو لاستلال العسل من خلايا النحل البرّي. أمّا الغوريلا فلا تستخدم الأدوات بشكل دائم ولكنها شوهدت، مثلًا، تستعين بالعصيّ لفحص عمق المياه في الوديان قبل أن تعبرها.
اكتُشف في العقدين الماضيين نوعان من القردة التي تستخدم الأدوات بشكل دائم. تُكّسّرُ قرود الكابوتشين (Sapajus libidinosus) في البرازيل حبات الجوز ذات القشرة القاسية بالاستعانة بالحجارة على “سندان” من الصخر أو جذوع الأشجار الساقطة. تستخدم قرود المكاك طويلة الذيل ( Macaca fascicularis) في تايلندا الحجارة بصورة مشابهة ولكن ليس لتكسير الجوز وإنما لكسر الأصداف ومحار الحلزونات والسرطانات التي تستخرجها من البحر.
يعرض الفيديو التالي قردة الكابوتشين وهي تُكسّر حبات الجوز:
يندُر استخدام الأدوات لدى سائر الحيوانات التي هي ليست من الرئيسيّات (Primates) التي ننتمي إليها نحن والقردة والقرود البشريّة . تشمل القائمة الصغيرة قضّاعة البحر التي تقوم بعضٌ من القطاعات السكانية منها بكسر محار الحلزون البحري بالحجارة تمامًا كما تفعل قرود المكاك، كما ولوحظت الدلافين وهي تغطي أنفها بالإسفنج البحري خلال البحث عن فريسة لها في قاع البحر. يفترض الباحثون أنّ الاسفنج يحميها من الحجارة الحادّة وشظايا المرجان.
نُشرت في الآونة الأخيرة، في شهر تشرين أول/أكتوبر 2019، دراسة أظهرت استخدام الأدوات من قبل خنزير فيسيان الثؤلولي (Sus cebifrons)، وهو نوع من الحيوانات تعيش في الفلبين. تُعرف الخنازير بذكائها وقد شوهدت خنازير الفيسيان تمسك قطعة من قشور جذوع الشجر بفمها وتحفر بها حفرة في التراب. كان ذلك تجهيزًا لبناء عُش: إذ تُبَطّن الخنازير الحفرة الضحلة بأوراق الشجر حيث تلِدُ الأنثى صغارها. يعتبر هذا النوع من استخدام الأدوات استثنائيّاً لأنه ،وبخلاف الحالات المتعارف عليها، لا يُستخدم للحصول على الغذاء. ومع ذلك، لقد شوهد هذا السلوك لدى ثلاثة خنازير في إحدى حدائق الحيوان وهناك حاجة للمزيد من الأبحاث والدراسات في هذا المجال قبل الإقرار بأنّه سلوك رائج لدى قطاعات الخنازير البرية.

تُكسّر محار الحلزون والكائنات البحرية الأخرى بالاستعانة بالحجارة. قضّاعات البحر الكاليفورنية وهي تتغذى على السرطانات | SPL, Doc White
مُخّ عصفور؟
اعتدنا اعتبار العصافير أنها أقل ذكاءً من الثدييات أو أنها حمقاء. تذهلنا قدرة العصافير ومهارتها في الطيران إلّا أننا ننسب مهارات استخلاص الاستنتاجات والتخطيط وفهم العامل المسبب والنتيجة لمجموعة الثدييات التي ننتمي نحن إليها فقط أو حتى لجزء صغير معين منها. مع ذلك، وخلافًا لهذه النظرة، فقد شوهدت ذوات الأجنحة تستخدم أدوات من أنواع مختلفة.
تستحق غربان كاليدونيا الجديدة (Corvus moneduloides)، وهي عصافير سوداء اللون تعيش في أرخبيل كاليدونيا الجديدة في المحيط الهادئ، جائزة الامتياز في مجال استخدام الأدوات، من بين سائر الطيور. يعرف أفراد فصيلة الغربان عمومًا بالحكمة وسِعة الحيلة. وكما ذكرنا سابقًا تميل أنواع أخرى من الغربان إلى إلقاء حبات الجوز من الأعالي إلى الأرض لتنكسر أو أنها تضعها على الطريق لتنكسر عندما تمر عليها السيارات العابرة. غير أنّ غربان كاليدونيا الجديدة تبدي مهارة ومستوى أعلى بكثير في مجال استخدام الأدوات. حيث تقطف هذه الغربان الفروع الرفيعة عن الشجر وتزيل الأوراق عنها و تطوي أطرافها بالاستعانة بمنقارها أحيانًا لتُكوّن خطّافًا أو صنارة صيد. تُدخل الغربان هذه الأدوات التي قامت بصنعها في شقوق فروع الشجر وتُخرج بها اليرقات السمينة التي تختفي داخلها. وتصنع هذه الغربان أدوات بالغة الإتقان من أوراق النبات الشوكي الذي ينمو في الجُزُر أيضًا.
إذا كانت الغربان تسلك سلوك الشمبانزي الذي يستل النمل الأبيض بواسطة العصيّ والسيقان فإن طائر النسر المصريّ (Neophron percnopterus) هو المندوب عن الطيور في فئة “التكسير بالحجر”. لا يكسر النسر المصريّ حبات الجوز أو المحار وإنما يتناول الحجر بمنقاره ويلقيه على بيضة النعام حتى تنكسر ثم يلتهم ما يخرج منها. لقد شوهِدَ هذا السلوك في مجمع الحيوانات البرية (חי – בר) في يوطفاتا وفي أماكن أخرى أيضًا. في نفس الموقع، يعيش الغراب أحيمر العنق (Corvus ruficollis)، وقد اكتشف الباحثون أنه هذه الغربان تحصل على البيض لذيذ الطعم بواسطة عملية تكتيكية متقنة. فهي لا تستخدم الأدوات للحصول على البيض بل تنتظر، بكل بساطة، طيور النسر المصريّ حتى تكسر هي البيضة فتنقض عليها وتسرق محتواها.
يعرض الفيديو التالي طائر الرحم يكسر البيضة.
تقوم بعض العصافير بشيءٍ لا يفعله حيوان آخر (عدا الإنسان): إنها تستخدم الطُّعم لاصطياد فريستها. شوهدت عشرة أنواع من العصافير، نصفها من صنف مالك الحزين (البلشون)، وهي تلقي قطعةً من الطعام في الماء وتمسك الأسماك التي تصعد إلى سطح الماء لتأكل الطُّعم. يبدو أنّ هذه العصافير تُدرك ماذا تفعل: إنها تلقي الأشياء التي تعوم على سطح الماء قريبًا من الشاطئ دائمًا لكي تستطيع الوصول إلى الأسماك التي تنجذب إلى الطُّعم بسهولة.
يعرض الفيديو التالي طائر مالك الحزين وهو يصطاد:
أخيرًا، تستخدم بعض الأصناف من الرخويات الأدوات استخدامًا متقنًا. شوهدت اخطبوطات من منطقة اندونيسيا تحمل نصف قشرة حبة جوز الهند وأحيانًا تحمل نصفين. تسارع الأخطبوطات في الدخول تحت القشرة، أو أنها تُكوّن دِرعًا حول جسدها من نصفي القشرة – في حال تواجاداـ وتغلق الفتحة بذراعها المغطاة بالممصات اللاصقة، حالما ترى الحيوان المفترس. كما ويستخدم الأخطبوط قشرة حبة جوز الهند كمخبأٍ متحرك – يغرز قشرة حبة الجوز في الرمل عندما يريد التوقف طوال الليل ويدفنها ثم يدخل فيها. يستل الأخطبوط القشرة في الصباح التالي وينظفها مستعينًا بالتيارات المائية ويكمل طريقه. كيف يتمكن الأخطبوط من جرِّ نصفين من قشرة حبة جوز الهند؟ لا مشكلة في ذلك: إنه يرتبها الواحدة داخل الأخرى كالوعاء أو الطشت.
يعرض الفيديو التالي أخطبوطًا يحمل قشور حبات جوز الهند:
لماذا عدد الحالات قليلٌ جدًّا؟
تشير الأمثلة الواردة أعلاه إلى أنّ استخدام الأدوات يساعد الحيوان في بلوغ أهداف كثيرة، خاصةً الغذاء الذي يصعب أو يستحيل الحصول عليه بدون استخدام الأدوات. لا شكَّ في أنَّ القدرة على استخدام الأدوات قد مرّت بتطورات عديدة خلال عملية التطوّر، وفي مجموعات كثيرة ومختلفة من الحيوانات. لم تُشاهَد، بالرغم من ذلك، الغالبية العظمى من الحيوانات أو حتى الغالبية العظمى من الثدييات والطيور على أنواعها وهي تمسك أداةً. لماذا بقي استخدام الأدوات مهارة ا نادرة، لا يتقنها سوى قلة من الكائنات
تبدو إحدى الإجابات واضحةً من تلقائها: الحيوانات التي تستخدم الأدوات هي تلك التي تملك الذكاء الكافي لتفعل ذلك، وعددها قليل ٌ جدًّا. يتطلب استخدام الأدوات قدراتٍ عقليةً عاليةً حقًّا. يجب على من يستخدم الأداة أن يدركَ ماذا سيفعل بها وأن يُخطّط كيف يستخدمها في الحصول على النتيجة المرجوّة. يستغرق استخدام الأداة، عادةً، وقتًا طويلًا حتى نيل الهدف – يتوجب أحيانًا على الشمبانزي الذي يصطاد النمل الأبيض بواسطة العصا أن يدير ظهره ويبتعد قليلًا ليجد العصا ويزيل الأوراق عنها ويُقََصِّرها ليكون طولها مناسبًا ثم يتقدّم بعد كل هذا لتنفيذ المهمة. يتطلب ذلك كله قدرات كثيرة: ذاكرة عملٍ جيدة وقدرة على كبح الرغبة في التوجه إلى مسكن النمل لذيذ الطعم فور اكتشافه وقدرة على الفهم والتذكّر كيف يجب أن يبدو شكل الأداة وما هو قطر العصا وطولها ومدى مرونتها.
توجد لتأخير أو تأجيل المتعة الفورية أهميةٌ خاصة في حال العصافير الصيّادة. فغالبًا ما يكون الطُّعم الذي تستخدمه هذه العصافير غذاءً أو قطعة من الخبز. بإمكان العصافير أن تأكل الطعم بنفسها ولكنها تقاوم رغبتها في ذلك وتضعه في الماء على أمل بلوغ جائزة أكبر وألذ طعمًأ. لا شك في أنّ هذه قدرة ذهنية لا تتمتع بها إلّا حيوانات قليلة.
وإضافةً إلى ذلك، يتطلب استخدام الأداة من الحيوان مهاراتٍ حركيةً دقيقة أيضًا – القدرة على الإمساك بالأداة باليد أو بالرجل أو بالمنقار وإزاحتها بدقة متناهية لإدخالها في شقٍّ في جذع شجرة مثلًا. وتحتاج الحيوانات التي تقوم بتصميم أدواتها مثل غربان كاليدونيا الجديدة لمهارات عالية ومتقدمة جدًّا.

يتطلب استخدام الأدوات مهارات كثيرة. غربان كاليدونيا الجديدة، غراب بالغ وآخر شاب يستلان الغذاء من داخل فجواتٍ في فروع الشجر| צילום: Natalie Uomini
يدّعي بعض الباحثين أنّ القدرات الذهنية لا تميّزِ الحيوانات التي تستخدم الأدوات عن غيرها. فقد نجحت غربان القيظ (Corvus frugilegus)، وهي غربان لا تَستخدِم الأدوات في حياتها البريّة من خلال دراسة نُشرت سنة 2018، في حلَّ مهمة تتطلب قدراتٍ معينة مثل فهم تأثير الأداة على البيئة المحيطة وفهم العلاقة الفيزيائية بين الأداة وبين الجائزة (عبارة عن قطعة من الطعام) والجهاز الذي تتواجد فيه. وفي دراسة أخرى، جرت المقارنة،، بين شرشور (الكامارينكوس) نقار الخشب (Camarhynchus pallidus) الذي يستعين بالعصيّ في استلال الحشرات من فروع الشجر مثل غراب كاليدونيا الجديدة، وبين شرشور الأشجار صغير الحجم (Camarhynchus parvulus) وهو طائر من عائلة قريبة لا يستخدم الأدوات. فُحصت القدرات المعرفية لهذين النوعين من خلال عدة مهام تتضمن مهارات توجد لها علاقة مباشرة باستخدام الأدوات وكانت النتيجة عكس المتوقع إذ لم يُظهِر شرشور نقار الخشب أداءً أفضل من قريبه في هذه الاختبارات.
وفي تفسيرٍ آخر، يرى قسمٌ من الباحثين إنّ استخدام الأدوات لا يعود بالمنفعةٍ الكافيةٍ على غالبية الحيوانات. الحاجة هي أمُّ الإختراع وإذا لم تتوفّر الحاجة – أي أنّ الغذاء موجودٌ بكمياتٍ وافرة ويمكن الحصول عليه بدون الحاجة لاستخدام الأدوات – لن يكون هناك اختراع.. في المقابل، يفترض باحثون آخرون أنّ هذا التفسير غير دقيق، إذ يمكن الإشارة إلى أمثلةٍ عدّة لأنواعٍ كان من الممكن أن تجني فوائد واضحة من استخدام الأدوات، ومع ذلك لا تُظهِر هذا السلوك. مثالٌ على هذه الحالة هو نوعٌ من الغربان يسمى إيجا (Corvus kubaryi) يعيش في جزر في المحيط الهادئ في بيئة محيطة شبيهة جدًّا بالبيئة المحيطة التي تعيش فيها غربان كاليدونيا الجديدة. تقتات غربان الإيجا على اليرقات التي تجدها داخل الأشجار تمامًا مثل غربان كاليدونيا الجديدة. يبدو أنّ هذه الغربان بحاجةٍ لاستخدام الأدوات كحاجة أقربائها من كاليدونيا الجديدة ولكنها لم تُشاهد ابدًا تحمل عصيًّا في منقارها. ما زال هذا الخلاف في الرأي بعيدًا عن الحلّ.
أفضلية الاجتماعيات
قد يحتاج الحيوان شيئًا آخر ليستخدم الأدوات عوضًا عن القدرات المعرفيّة والمهارات الجسديّة والحاجة التي تنجم عن ظروف المعيشة أو الطعام الذي يتغذى منه. ينتشر استخدام الأدوات بشكل خاص، وفقًا لإحدى الفرضيات الملفتة للاهتمام، لدى الأنواع التي تعيش في مجموعات أو التي تقضي صغارُها وقتًا طويلًا مع والديها خاصةً إذا تحلّى البالغون بالصبر تجاه صغارهم وسمحوا لهم بمشاهدتهم عن كثب وهم يكسرون حبات الجوز أو يسْتلّون الحشرات بالعصيّ. هذا النوع من استخدام الأدوات هو سلوكٌ مكتسب بالتعلّم، ويُستدلُّ من غالبية الحالات التي تمّ بحثها أنَّ الصغار يتعلمون من الوالدين أو من غيرهم من البالغين في المجموعة. يشمل التعلم أيضًا فترةً من التجربة والخطأ والتدريب وتحسين الأداء يقوم بها الصغار بأنفسهم، ولكنّ تواجد البالغين الذين يستخدمون الأدوات بمهارة مهمٌّ جدًّا. يستخدم الصغار أوّلًا الأدوات التي استخدمها البالغون قبلهم.

يتعلم الواحد من الآخر. ينظر قرد الكابوتشين الصغير إلى صديقه البالغ في مجموعته وهو يأكل الجوز| Shutterstock
تدير أنواع كثيرة من مستخدمي الأدوات حياةً توفر لصغارها فرصًا كثيرة للتعلم. تبقى صغار الشمبانزي بجوار أمهاتها ما لا يقل عن خمس إلى ست سنين وتحافظ على صلةٍ بها بعد ذلك أيضًا. ينكشف الصغار على البالغين الآخرين في المجموعة وتتيح الأنثيات خاصةً للصغار الاقتراب منها وتَفَحُّص ما تفعل. لا تعيش قردة إنسان الغاب (أورانغوتان) في مجموعات ولكن تبقى الصغار مع الأم ما لا يقل عن سبع إلى ثمان سنين. تبدي صغار قرود الكابوتشين اهتمامًا كبيرًا بتكسير الجوز وتحضر إلى المكان الذي يقوم فيه أحد البالغين بعملية التكسير وتنظر إليه وتشتم الروائح كما تدسُّ أنفها أحيانًا حتى يكاد يصل تحت الحجر المستخدمة للتكسير. تفعل الصغار ذلك بمعية الذكور البالغين أيضًا ويُسمح لهؤلاء للصغار بالاقتراب وسرقة الفتات من حين لآخر. كثيرًا ما تبقى صغار غربان كاليدونيا الجديدة مع الوالدين حتى العام الثاني من عمرها أيضًا، وهذا سلوكٌ نادرٌ لدى العصافير، ويتحلّى الوالدان بالصبر الكبير تجاه الصغار لدرجة أنهم يواصلون إطعامها.

تبقى الصغار مع الأم حتى جيل سبع سنين على الأقل. قردة إنسان الغاب (أورانغوتان) مع ابنتها والتي يتراوح عمرها ما بين ثلاث وأربع سنين | SPL, Fiona Rogers
ونبقى نحن بنو البشر- أبطال استخدام الأدوات بلا مُنازع. قد لا يبدو الأمر كذلك دائمًا إلّا أننا، بالمقارنة مع الحيوانات الأخرى، ودودون ومتسامحون جدَّا، خاصةً بما يتعلق بالأولاد. ترتبط هاتان الميزتان ببعضهما البعض ارتباطًا وثيقًا وفقًا لهذه الفرضية: لقد طورنا أدواتنا والتكنولوجيا التي تميزنا كثيرًا عن سائر المخلوقات بفضل ذكائنا وبفضل القدرة على قبول وجود الآخرين بجانبنا والقدرة على تقاسم المعرفة وعلى التعليم والتعلّم.
(مقال مُترجم بتصرّف)