ما زال الباحثون في شتّى أنحاء العالم، بعد مرور حوالي مائتي عام على مولد الكيمياء العضويّة، يبحثون عن طرق لزيادة نجاعة التّفاعلات الكيميائيّة. لم تمضِ إلّا سنة وأكثر قليلًا على حيازة كلّ من كارولاين برتوتزي (Bertozzi) ومورطون مِلدال (Meldal) وكارل باري شاربلس (Sharpless) على جائزة نوبل مقابل تطوير الكيمياء النّقريّة، الّتي تتيح ربط الجزيئات ببعضها البعض، ما هو ليس سهلًا بالضّرورة بالطّرق التّقليدية، بنقرة.
يؤثّر المبنى الفراغيّ والهندسيّ للجزيئات كثيرًا على قدرتها في المشاركة في التّفاعلات الكيميائيّة. يمكن أن تعمل هياكل هندسيّة بنيويّة معيّنة على حجب مواقع التّفاعل، هي الأماكن النّشطة في الجزيئات والّتي تستطيع جزيئات أخرى الارتباط بها، أو على تكوين مواقع تفاعل جديدة. لا غرابة إذًا في أن يتعمّق الكثير من الكيميائيّين بالنّظريّات الهندسيّة المعقّدة وبالفروع الرّياضيّة الأخرى الّتي تتناول أشكال الأجسام.
نظريّة العُقَد (Knot theory) هي أحد الفروع الرّياضيّة المثيرة للاهتمام في هذا السّياق، وهي تتناول تمييز العقد (الرّبطات) وتنويعها من النّاحية الرّياضيّة. يمكن اعتبار العقدة، لِشأننا هنا، حبلًا لففتَه حول نفسه ثم ألصقتَ طرفيه ببعضهما البعض مُكوّنًا إطارًا مقفلًا متقاطعًا. الحبال في هذا السّياق عبارة عن جزيئات والرّوابط هي كائن رياضيّ بحت. سنتطرق هنا الى الرّوابط بمفهومها الهندسيّ، وليس بمفهومها العاديّ – مثل الرّوابط الهيدروجينيّة أو الرّابطة التّساهميّة (الكوفلنتية)، الّتي هي بمثابة ارتباطات موضعيّة بين الذّرّات.
نُشرت في الآونة الأخيرة مقالة في مجلّة “Nature Communications” عُرض فيها رقم قياسيّ جديد في استحضار جزيئة مَعقودة (غير اعتياديّة) قصيرة ومكتظّة – مكوّنة من 54 ذرّة لا أكثر. توجد الكثير من الجزيئات القصيرة جدًّا في الطّبيعة، مثل جزيئة عنصر الهيدروجين المكوّنة من ذرّتين فقط، إلّا أنّ المقصود هنا هو الجزيئات الّتي تتّخذ شكل أوراق البرسيم. عقدة ورقة البرسيم هي أبسط عقدة لا دائريّة. تتقاطع خطوط عقدة ورقة البرسيم في ثلاثة مواقع، وهو أقلّ عدد ممكن من التّقاطعات، بينما لا يوجد أيّ تقاطع في الدّائرة.
الجزيئات المَعقودة ظاهرة منتشرة في الطّبيعة. الجزيئات الأقصر والأكثر اعتياديّة من بينها هي الحلقات البسيطة. جزيئة البِنْزين، مثلًا، مُكوّنة من ستّ ذرّات كربون مربوطة إلى بعضها البعض مُكوّنة حلقة سداسيّة (اُنظر الشّكل أدناه). هناك حلقات أطول كثيرًا، لكنّها لا تزال قصيرة في جوهرها، مثل جزيئات الـ DNA، الّتي تميل للارتباط بشكل حلقيّ في المنظومات البيولوجيّة مثل الخليّة الحياتيّة. الـ DNA الميتوكندريّ، مثلًا، يتّخذ شكل الحلقة. كذلك هو الحال بالنّسبة لجزيئات الـ RNA وقسم من الزّلاليّات (البروتينات). يتّضح من هنا كيف تُلقي دراسة الجزيئات المعقودة والقصيرة الضّوء على الآليّات البيولوجيّة والبيوكيميائيّة، وجزء من البوليميرات وأنواع البلاستيك.

تتكوّن جزيئة البِنْزين (في جهة اليسار) من ستّ ذرّات كربون مرتبطة ببعضها البعض، وعقدة ورقة البرسيم (في جهة اليمين) هي أبسط عقدة لا دائريّة | Kicky_princess; igor kisselev, Shutterstock
كيمياء من الأربطة والعُقد
نُشرت سنة 1989 أوّل مقالة عرضتْ عمليّة كيميائيّة لربط جزيئة بشكل ورقة البرسيم. اِتّضح لاحقًا أنّه يمكن تحويل الـ DNA الحلقيّ إلى ربطة شبيهة بالبرسيم. تجري في الثّلاثة عقود الأخيرة منافسة غير رسميّة بين الباحثين على بناء العُقدة الأقصر، في محاولة للاقتراب من الحدّ الأدنى الممكن من القصر. تمّ تعريف مصطلح “نسبة تقاطعات العمود الفقريّ” (Backbone Crossing Ratio, أو باختصار BCR) لتقييم الإنجازات في هذا المجال، وهو يعبّر عن النّسبة بين عدد الذّرّات في الجزيء المَعقود وبين عدد التّقاطعات (المَفارِق) فيه. مثلًا، نسبة تقاطعات العمود الفقريّ في الجزيئة شبيهة ورقة البرسيم المُكوّنة من 99 ذرّة هي 33، لوجود ثلاثة تقاطعات في شكل ورقة البرسيم. ترواحَ BCR غالبيّة عقد البرسيم الّتي تمّ استحضارها في السّنوات الأخيرة ما بين 27 و 33.
اِستحضر كيميائيّون من الصّين سنة 2020 جزيئةً شبيهة بِورقة البرسيم تحتوي على 69 ذرّة، أي BCR 23. اِستخدم هؤلاء ذرّات فلزّيّة في تفاعل الاستحضار، ثمّ أزالوها فبقيت جزيئة مستقرّة ذات مبنى برسيميّ غير قابل للكسر. كان هذا إنجازًا كبيرًا، إلّا أنّ الإنجاز الآنيّ تفوّق عليه. عُرضتْ في المقالة الجديدة جزيئة شبيهة بورقة البرسيم تحتوي على 54 ذرّة، و BCR خاصّتها هو 18 فقط.

تجري في العقود الأخيرة منافسة لا رسميّة بين الباحثين حول بناء العُقد الأصغر. عقدة ورقة البرسيم | Carol and Mike Werner / Science Photo Library
العقد المكتظّة
تزداد متانة وقوّة العقدة مع قِصر الجزيء الّذي يُكوّنها، إذ يفقد الجزيء، ببساطة، من مرونته. تتناسب هذه العلاقة مع ما نراه في الحياة اليوميّة – فَالحَبل القصير أقلّ مرونة من الحبل الطّويل من النّوعيّة ذاتها. أشارت الحسابات الكموميّة (الكوانتيّة) الّتي أُجريت لفحص الحدّ الأدنى الممكن لكبر الجزيئات الشّبيهة بورقة البرسيم إلى أنّه يقف عند حوالي 50 ذرّة. إذا كان هذا تقديرًا دقيقًا، فإنّ إمكانيّة تصغير حجم الجزيئات الّتي تُشكّل عُقدة البرسيم، محدودة جدًّا.
لعب عامل الصّدفة، كما في كثير من الاكتشافات، في هذا الاكتشاف أيضًا دورًا مركزيًّا. روى ريتشارد باديفات (Puddephatt) من جامعة غرب أونتاريو، وهو المؤلّف الرّئيسيّ للمقالة أنّه وزملاءه أرادوا أصلًا استحضار جزيئات من الأسيتيليدات (أيونات هيدروكربونية ذات الصّيغة −HC≡C)، الّتي تُستخدم كثيرًا في تفاعلات الكيمياء العضويّة. توقع باديفات وزملاؤه الحصول على سلسلة من ذرّات الذّهب عندما ربطوا أسيتيليد الذّهب بالمبنى المسمّى ثنائيّ الفوسفين (diphosphine)، وما نتج بالفعل صدفةً هو هيكل برسيميّ. تكوّنت العقدة وتجمّعت من تلقاء ذاتها، وهذا تجديد بحدّ ذاته. لا بدّ أن يتّضح كنه العمليّة الكيميائيّة الّتي حدثت في هذه الحالة، ما اعترف مؤلّفو المقال بعدم فهمهم لها، في السّنين القادمة، ولا شكّ في أن تحتلّ العقد المكتظّة مكانة في العديد من التّطبيقات.

مجموعة منوّعة من العقد، منها ربطة عادية بسيطة، عبارة عن حلقة (في أعلى اليسار)، والعقدة شبيهة ورقة البرسيم (تحتها) | المصدر: Matemateca (IME/USP)/Rodrigo Tetsuo Argenton
التّفنّن في إطار ما هو متاح
لا شكّ في أنّ هذا الاكتشاف الجديد كان سيُبهِج الفنّان الهولنديّ، هاوي الهندسة المتعطّش، ماوريتس كورنيليس إيشر (Escher)، الّذي عرض نقشُه “العقد” هذه الرّبطات الشّبيهة بالبرسيم بدقّة متناهية.
توجد أنواع أخرى كثيرة من العقد ذات الخصائص المثيرة للاهتمام. بعضها مُدوّن بلغة رياضيّة تُسمّى “تدوين ألكسندر بريجز” (Alexander-Briggs)، والّذي يَقرن رقمين بكلّ عقدة. يشير الرّقم الرّئيسيّ إلى عدد التّقاطعات (المَفارِق) في العقدة، أمّا الرّقم الثّانويّ فهو مقياس اعتباطيّ يميّز بين أنواع العقد الّتي تحتوي على نفس العدد من التّقاطعات. عقدة البرسيم، مثلًا، مصنّفة بـِ 31. لا توجد في الوقت الحاليّ، على الرّغم من ذلك، خوارزميّة تصنيف لِجميع العقد، أي قاعدة أو قانون يتيح لنا أن نحدّد بموجبها فيما إذا كانت عقدتان مُعيّنتان هما عرضان مختلفان لنفس العقدة أو أنّهما عقدتان مختلفتان.
اِستطاع الكيميائيّون في السّنوات الأخيرة استحضار جزيئات تناسب العقد 41, 51, 52, 71, 74 ، حتّى 818 و-819. تقوّي كلّ خطوة من هذه الخطوات العلاقة الوطيدة ما بين الكيمياء والرّياضيّات.