الخلايا الجذعيّة لعلاج حالات فقدان البصر
ساهم اكتشاف نوع جديد من الخلايا الجذعيّة الجنينيّة في تحسين البصر عند فئران مصابة بمرض وراثيّ يؤدّي إلى تنكّس الشّبكيّة
يُعدّ الخلل الوراثيّ الّذي يتسبّب في تنكّس الخلايا العصبيّة أو الظّهاريّة في شبكيّة العين من الأسباب الشّائعة الّتي تؤدّي إلى فقدان البصر. يعتمد العلاج الأساسيّ لهذه الحالة على زراعة شريحة إلكترونيّة تعمل على نقل المعلومات البصريّة مباشرة إلى الدّماغ، إلّا أنّ الصّورة الّتي توفّرها هذه التّقنيّة بدائيّة جدّا وبدقّة محدودة للغاية. في المقابل، برز توجّهٌ واعدٌ وجديد، يتمثّل في تصحيح مشاكل النّظر من خلال العلاج الجينيّ وزراعة الخلايا الجذعيّة؛ غير أنّ التّقنيّات المتاحة في هذا المجال ما زالت في مراحل التّطوير المبكّرة وتؤدّي إلى نجاحات جزئيّة. وفي هذا السّياق، كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلّة Science Translational Medicine عن نوع جديد من الخلايا الجذعيّة الجنينيّة، لم يكن معروفًا من قبل، ومن المتوقّع أن يساهم حقن هذه الخلايا في العين إلى تجديد نسيج الشّبكيّة المتنكّس واستعادة القدرة على الإبصار.
جمع الباحثون، من جامعة وينتشو الطّبّيّة (Wenzhou) في الصّين، عيّنات من نسيج شبكيّة العين لأجنّة بشريّة أُجهضت طوعًا في مرحلة مبكّرة من الحمل (بين 16 و 22 يومًا). ومن ثمّ قاموا بتفكيك هذه العيّنات إلى خلايا منفردة، ثمّ قاموا بإجراء تسلسل لجزيئات الـ RNA داخل كلّ خليّة على حدة. وفي حين أنّ الحمض النّوويّ (DNA) متطابق في جميع خلايا الجنين الواحد، فإنّ جزيئات الـ RNA المُشتقّة منه تختلف من خليّة إلى أخرى، وتعكس الخصائص الوظيفيّة الفريدة لكلّ نوع من هذه الخلايا. وقد مكّنت هذه التّقنيّة من إنشاء خريطة جينيّة شاملة لأنواع الخلايا المختلفة داخل العيّنات، وتحديد الموقع النّسبيّ لكلّ خليّة، أي تحديد الخلايا المجاورة لها. وبذلك، تمكّن الباحثون من اكتشاف مجموعة نادرة من الخلايا الّتي أظهر محتوى الـ RNA الخاصّ بها خصائص مميّزة تشير إلى كونها خلايا جذعيّة عصبيّة ذات صلة بتطوّر شبكيّة العين.
تمتاز الخلايا الجذعيّة بكونها خلايا لم تتبنّى وظيفة نهائيّة بعد، حيث تمتلك هذه الخلايا قدرة على الانقسام والتّمايز لعدّة أنواع مختلفة من الخلايا، لتؤدّي وظائف مختلفة ضمن النّسيج الخلويّ. قام الباحثون بعزل الخلايا المكتشَفة من عيّنات إضافيّة من أنسجة الشّبكيّة وزراعتها في أوساط مخبريّة بهدف التّأكّد من كونها خلايا جذعيّة. وقد أظهرت النّتائج أنّ هذه الخلايا قادرة على الانقسام والتّجدّد مثل الخلايا الجذعيّة المعروفة. كما وتمكّنت من التّمايز إلى جميع الأنواع الرّئيسيّة من خلايا الشّبكيّة لتؤدّي وظائف مختلفة، ممّا يشير -على الأقلّ من النّاحية النّظريّة- إلى امتلاكها القدرة على تجديد أنسجة شبكيّة العين المتضرّرة.
قام الباحثون بزرع الخلايا الجذعيّة في شبكيّة عيون فئران مصابة بطفرة جينيّة تسبّب مرض "التّنكّس الشّبكيّ الصّباغيّ"، الّذي يؤدّي إلى فقدان البصر لدى البشر. شبكيّة متضرّرة نتيجة التّنكّس الشّبكيّ الصّباغيّ (اليمين)، وشبكيّة سليمة (اليسار)| Kateryna Kon, Shutterstock
عين بصورة مصغَّرة
قبل عدّة سنوات، تمكّن الباحثون من تطوير “عضوانيّات” (Organoid) شبكيّةــ أي أنسجة مخبريّة من عدّة أنواع، تُشكّل معًا نموذجًا أساسيّا ومصغّرًا لبنية النّسيج الكامل يُشبه الشّبكيّة الطّبيعيّة. في الدّراسة الحاليّة، قام الباحثون بتحليل التّركيب الخلويّ لهذه العضوانيّات الّتي زرعت في المختبر، واكتشفوا أنّ الخلايا الجذعيّة العصبيّة الخاصّة بالشّبكيّة قد تطوّرت فيها أيضًا.
في المرحلة التّالية من البحث، قام الباحثون بقطع عيّنات صغيرة من شبكيّة العضوانيّات باستخدام مشرط دقيق، بهدف فحص قدرة الخلايا الجذعيّة الخاصّة على ترميم النّسيج التّالف. ووجدوا أنّ الشّبكيّة قامت بتجديد نفسها بشكلٍ كامل خلال أربعين يومًا، شريطة أن تبقى الخلايا الجذعيّة ضمن العيّنة وألّا تُستأصل أثناء عمليّة القطع.
في المرحلة الأخيرة من الدّراسة، اختبر الباحثون قدرة الخلايا الجذعيّة على إصلاح نسيج شبكيّ متضرّر نتيجة مرض وراثيّ. إذ قاموا بزراعة الخلايا الجذعيّة الخاصّة في شبكيّة متضرّرة لفئران معدّلة وراثيًّا، تحمل إحدى الطّفرات المسؤولة عن الإصابة بمرض “التهاب الشّبكيّة الصّباغيّ” (retinitis pigmentosa)، والّذي يؤدّي إلى العمى لدى البشر. وبعد مرور عشرين أسبوعًا، وجد الباحثون أنّ هذه الخلايا نجحت في الاستمرار والتّكاثر. وعلاوة على ذلك، لوحظ أنّ بعض طبقات الخلايا في الشّبكيّة قد تجدّدت في منطقة الحقن، بما في ذلك خلايا عصبيّة نجحت في تشكيل ارتباطات مع العصب البصريّ. كما وتبيّن أنّ هذه الخلايا العصبيّة أظهرت نشاطًا كهربائيًّا أعلى بمعدل 1.5 إلى 2 مقارنةً بخلايا عصبيّة لفئران لم تخضع للعلاج؛ ممّا يشير أنّ الخلايا المتجدّدة تعمل على نقل الإشارات إلى الدّماغ. وفي اختبارٍ للرّؤية، تبيّن أنّ الفئران الّتي تلقّت العلاج أظهرت تحسّنًا في قدرتها على التّمييز البصريّ، أي أنّها أصبحت قادرة على رؤية صورة أكثر وضوحًا.
تبعث هذه النّتائج المبشّرة الأمل في إمكانيّة علاج حالات مرضيّة معقّدة لأشخاص فقدوا البصر نتيجة أمراض تنكّسيّة وراثيّة تصيب شبكيّة العين– بل وقد تمهّد الطّريق نحو علاج إصابات في العين كان يُعتقد سابقًا أنّها غير قابلة للعلاج.