يُعتبر هذا المشهد مألوفًا لكل شخص ذهب في رحلة سفاري، أو شاهد أفلام وثائقيّة عن السّافانا الأفريقيّة: قطيع كبير يضمّ عشرات أو مئات الحيوانات، بما في ذلك الحمير الوحشيّة، النَّو (Wildebeest)، ظباء الإمبالة (Impala)، الزّرافات، الجواميس وأكثر من ذلك، تأكل بسلام جنبًا إلى جنب. لماذا تعيش هذه الحيوانات معًا في كثير من الأحيان؟ هل تجتمع بالصّدفة في المناطق الّتي فيها مرعى جيد، أم أنّها تختار قضاء وقتهم جنبًا إلى جنب؟
قد يكون لدى الحيوانات النّباتيّة من أنواع مختلفة أسباب وجيهة للتّجمّع معًا في قطعان مشتركة. أوّلًا، المزيد من الحيوانات يعني المزيد من العيون، الآذان والأنوف، الّتي تزيد من احتمال ملاحظة وتحذير من اقتراب حيوان مفترس. ولتحقيق هذه الغاية، فإنّ أفضل الشّركاء هم الزّرافات الطّويلة، الّتي تتمتّع برؤية حادّة، يمكنها اكتشاف الحيوانات المفترسة من مسافة بعيدة. في حال تعرّض القطيع لهجوم مفاجِئ من الحيوانات المفترسة، فقد تحاول الحيوانات الاختباء في الحشد، على أمل أن يختار الأسد أو النّمر شخصًا آخر. وهنا أيضًا، توفّر بعض الأنواع حماية أفضل من غيرها: على سبيل المثال، تفضّل الأسود صيد الجاموس، النَّو والحمير الوحشيّة، بينما تميل أقلّ إلى صيد الظِّباء. لذا فإنّ ظباء الإمبالة قد تستفيد من التّفاعل الاجتماعيّ مع أنواع أُخرى، ولكن الحمار الوحشيّ، على سبيل المثال، لن يستفيد كثيرًا من الارتباط بظِباء الإمبالة. قد يكون الانضمام إلى قطيع من الحيوانات البرّيّة، الّتي يحب الأسود أيضًا صيدها، أكثر فائدة.
مع ذلك، فإنّ هناك سلبيّات للعيش في قطعان مختلطة، وأكثرها وضوحًا هي المنافسة على الغذاء: يتغذّى النَّو والحمار الوحشيّ، على العشب بالأساس العشب، ممّا يعني أنّه إذا رعيا في نفس المكان، سوف يكون لديهما كمّيّة أقلّ من الطّعام. من ناحية أخرى، تأكل ظباء الإمبالة العشب والأوراق، وفي هذا الصّدد قد يكون من الأفضل للحمير الوحشيّة أن تعيشَ معها، بدلًا من النَّو. تأكل الزّرافات أوراق الشّجر فقط تقريبًا – فالانحناءُ نحو العشب يشكِّل مشكلة كبيرة بالنّسبة لها – لذلك فهي لا تتنافس مع النَّو أو الحمير الوحشيّة على الطّعام.
كيف تحدّد الحيوانات العاشبة هذه الإيجابيّات والسّلبيّات، وكيف تختار أنواع الحيوانات الأنسب للعيش معها؟ حتّى الآن، ركّزت معظم الدراسات الّتي تتناول حركة الحيوانات على نوع واحد، وأُجرِيَت باستخدام أطواق تشير إلى موقع الأفراد بمرور الوقت. تمنح هذه الأطواق كمًّا كبيرًا من البيانات حول المناطق الّتي تميل هذه الحيوانات إلى التّجوّل فيها، أوقات نشاطها، مدى سرعتها والمزيد، لكنّها لا تشير إلى أيّة أنواع أخرى من الحيوانات الّتي قد تكون في المنطقة المجاورة. والآن، نُشِرت دراسة أجراها باحثون من فرنسا، حيث قاموا بتزويد ستّة حمر وحشيّة بأطواق تحوي أيضًا كاميرا. بهذه الطريقة، تمكَّن الباحثون من رؤية الحيوانات الأخرى الّتي تشاركها المنطقة، ووجدوا أنّ الزّرافات كانت من بين الأنواع الّتي تتواجد معها بشكل خاصّ.

في الدّراسة، رُبطت بأطواق مزودة بكاميرا فيديو على ستّة حمر وحشيّة، وراقب الباحثون تحرّكاتهم. الحمير الوحشيّة والزّرافات تشرب من مصدر مياه | Karel Bartik, Shutterstock
“عالم مليء بالتّفاعلات”
ربط الباحثون الأطواق على ستّة حمير وحشيّة من مجموعات مختلفة، جميعها تعيش نفس المحميّة في جنوب أفريقيا. سجّلت الأطواق مقطع فيديو مدّته عشر ثوانٍ كلّ خمس دقائق، من السّاعة الخامسة صباحًا حتّى السّادسة مساءً، لمدّة ثلاثة أسابيع. كما سجّلوا موقع الحمار الوحشيّ، بحيث يمكن ربط كلّ فيديو بالمنطقة الجغرافيّة الّتي تمّ تصويره فيها.
أظهرت النّتائج أنّ الحمير الوحشيّة قضت نحو ربع يومها إلى جانب أنواع أخرى من الحيوانات. كذلك، في الكثير من الأحيان يمكن رؤية ظباء الإمبالة ترعى بجانبها في مقاطع الفيديو – وهو أمر غير مفاجئ نظرًا لشيوعها بشكل خاصّ في المحميّة. ولكن فقط عندما كانت الحمير الوحشيّة بجانب الزّرافات، بدا أنّ النَّوعَيْن ينسّقان تحرّكاتهما للبقاء معًا. ونتيجة لذلك، ترعى الحمير الوحشيّة إلى جانب الزّرافات لمدّة تزيد على ساعتيْن في المتوسّط في كّل مرة، مقارنةً بساعة تقريبا تقضيها مع ظباء الإمبالة، النَّو أو الجاموس.
عندها، طُرح التّساؤل حول السّبب وراء ظهور الحمير الوحشيّة والزّرافات معًا في معظم الوقت: هل كانت الحمير الوحشيّة تتبع الزّرافات كلّما قرّرت الانتقال إلى منطقة أُخرى، أم أنّ العكس هو الصّحيح؟ من الصّعب الإجابة على هذا السّؤال استنادًا إلى مقاطع الفيديو القصيرة الّتي جُمعت في الدّراسة الجديدة، ولكن أشارت دراسة أُجريت عام 2016 إلى أنّ الحمير الوحشيّة “كانت تتبع الزّرافات وتواصل الرّعي بالقرب منها، بينما استمرّت الزّرافات في طريقها”. كذلك، قدّمت الدّراسة نفسها سببًا محتملًا لذلك، إذ تبيّن أنّ الحمير الوحشيّة أمضت وقتًا أقلّ في مسح بيئتها، لمعرفة ما إذا كان هناك أيّ حيوانات مفترسة قريبة عندما كانت بجانب الزّرافات. لقد بدا أنّها تشعر بأمان أكبر مع الحيوانات الأطول، الّتي كانت قادرة على رؤية الحيوانات المفترسة من مسافة بعيدة، إلى جانبهم.
يتضمّن الفيديو لقطات مأخوذة من كاميرات كانت على أطواق الحمير الوحشيّة:
تكشف الدّراسة الجديدة أنّ القطعان المختلطة في السّافانا لا تتشكّل عشوائيًّا، بل تختار شركاءَها بعناية، وتغيّر تحرّكاتها للبقاء مع الأنواع المفضّلة لديها. ويشير هذا إلى أنّ العلاقات بين ذوات الحوافر أكثر تعقيدًا ممّا كنّا نعتقد سابقًا. وقال سيمون شامايل-جاميس (Simon Chamaillé-Jammes)، الباحث الرّئيسيّ في الدّراسة، في مقابلة مع موقع “ساينس نيوز”؛ Science News: “النّظام البيئيّ ليس مجرّد كومة من الأنواع المستقلّة، إنّه عالم كامل من التّفاعلات”.
قال عالم البيئة الأمريكيّ مايكل أندرسون (Michael Anderson)، الّذي لم يشارك في الدراسة، إنّ النّتائج تسلِّط الضّوء على أهمّيّة حماية ليس فقط الأنواع الفرديّة، بل النّظم البيئيّة بأكملها. وأضاف إنّ “هذه الأنظمة قد تطوّرت كمجموعة من العديد من الأنواع”، ولحمايتها، يتعيّن علينا الحفاظ على العلاقات الّتي تشكّل أساسها.