באתר זה נעשה שימוש בקבצי עוגיות בין היתר של צדדים שלישיים. חלקן חיוניות לחוויית גלישה תקינה וחלק משמשות לסטטיסטיקה ושיווק. המשך גלישה באתר מהווה הסכמה לשימוש זה. המידע נשמר בהתאם למדיניות הפרטיות של מכון דוידסון.
لشراء التذاكر
عر
لشراء التذاكر
arrow عر
التكنولوجيا اليوم السابق في العلوم

السّفينة الأشهر في التّاريخ

لماذا اعتُبرت "تيتانيك" سفينة لا يمكن أن تغرق؟ وما الّذي أدّى إلى غرقها خلال رحلتها الأولى عام 1912؟ ولماذا كان من الصّعب العثور على حطامها؟ كيف تمكّن الباحثون في النّهاية من الوصول إليه، وما كان مصيره؟ في الذّكرى الأربعين لاكتشاف حطام سفينة الفخامة الأسطوريّة، نسلّط الضّوء على قصّتها، من منظور تاريخيّ وعلميّ معًا.
Getting your Trinity Audio player ready...

“نجلس جميعًا نتابع شاشات الفيديو، كأنّنا أصبحنا جزءًا من “آرغو”. نحن على ارتفاع كبير فوق قاع المحيط، ولا يظهر أمامنا شيء بعد. أترقّب اللّحظة الّتي يلتقط فيها جهاز قياس العمق إشارات تدلّ على الحطام. وفجأة، ينخفض القياس إلى النّصف – 25 مترًا فقط – في إشارة إلى جسم ضخم يرتفع من قاع المحيط. إنّنا على وشك المرور فوق تيتانيك. لحظة مهيبة ومخيفة في آن واحد. على شاشة أرل يبدو المشهد كأنّ السّفينة ترتفع نحونا. عيناه مثبّتتان على خطَّين: خطّ العمق الخاصّ بـ”آرغو” ظلّ ثابتًا، بينما خطّ عمق القاع بدأ بالصّعود بسرعة. بدا كأنّهما سيلتقيان، وكأنّ التّصادم وشيك. غريزتنا كانت أن نرفع المركبة فورًا إلى أعلى. جلست بجوار أرل، قربي من أذنه أشبه بمشهد “قلب شجاع” ساعة هجوم البريطانيّين، وهمست: “اِنتظر”. كان يتملّكه الذّعر، يرغب في إصدار الأمر بالصّعود، لكنّني فكّرت: إذا فعل ذلك، سنفقد المشهد. كرّرت: “اِنتظر”. بل وطلبت منه خفض المركبة 16 قدمًا إضافيّة. أصبحنا الآن على ارتفاع 66 قدمًا فقط (نحو 20 مترًا) من الحطام، مباشرة فوق المداخن، إذا كانت لا تزال قائمة خارج نطاق أضواء كشّافاتنا. كان أرل يقبض على عصا القيادة بقوّة حتّى ابيضّت أصابعه. ثمّ، شيئًا فشيئًا، بدأ جسد تيتانيك يتراءى على شاشة الفيديو بالأبيض والأسود، ضبابيًّا أوّل الأمر، حتّى تجلّى أمام أعيننا.”

هكذا وصف الباحث الأميريكيّ روبرت بالارد (Ballard) لحظة اكتشاف حطام تيتانيك قبل أربعين عامًا، في سيرته الذّاتيّة Into the Deep. لقد مثّل نجاح بالارد وزملائه نهاية رحلة بحث امتدّت 73 عامًا، منذ غرق سفينة الفخامة البريطانيّة في رحلتها الأولى المثيرة للجدل عام 1912. منذ تدشينها أثارت تيتانيك اهتمامًا واسعًا، إذ عُدّت في زمانها “السّفينة الّتي لا يمكن أن تغرق”. غير أنّ الكارثة الّتي أودت بحياة نحو 1,500 إنسان جعلت من غرقها أحد أبرز أحداث بدايات القرن العشرين، ورُمز إليها في الوعي العام كصورة لانتصار قوى الطّبيعة على غرور الإنسان.

עשר קומות עם תאים נוחים ומפוארים ל-2,400 נוסעים וכמעט אלף אנשי צוות. טיטאניק יוצאת להפלגת הבכורה שלה מנמל סאות'המפטון, ב-10 באפריל 1912 | צילום של פרנסיס סטיוארט (Stuart), ויקיפדיה, נחלת הכלל
عشرة طوابق تحتوي على مقصورات مريحة وفاخرة تتّسع لـ 2,400 راكب وما يقرب من ألف فرد من طاقم السّفينة. اِنطلقت سفينة التيتانيك في رحلتها البحريّة الافتتاحيّة من ميناء ساوثهامبتون في 10 أبريل 1912. | صورة التقطها فرانسيس ستيوارت (Stuart)، ويكيبيديا، ملكيّة عامّة.

فندق فخم يعبر المحيط

كانت السّنوات الأولى من القرن العشرين العصر الذّهبيّ للسّفن البخاريّة العملاقة. في الوقت الّذي كانت فيه الطّائرات والمناطيد تخطو خطواتها الأولى، أتاحت تلك السّفن الضّخمة عبور المحيط الأطلسيّ في غضون أيّام قليلة بدلًا من أسابيع، كما كان الحال في السّفن الأقدم. وقد امتاز السّفر على متنها بدرجة عالية من الأمان النّسبيّ، إلى جانب ظروف فاخرة ومترفة لمن استطاع تحمّل كلفة الإبحار في درجاتها المخصّصة للنّخبة.

كانت تيتانيك أكبر سفينة من بين ثلاث سفن جديدة طلبتها شركة وايت ستار لاينز (White Star Lines) لأسطولها في العقد الأوّل من القرن العشرين. اِستغرقت عمليّة بنائها نحو عامين ونصف في أحواض هارلاند وَ وولف (Harland and Wolff) بمدينة بلفاست في أيرلندا الشّماليّة، وعند اكتمالها أصبحت أضخم سفينة في العالم آنذاك. بلغ وزنها أكثر من 46 ألف طن، وطولها 269 مترًا، وعرضها الأقصى 28 مترًا، بينما بلغ ارتفاعها من سطح الماء حتّى قمة مداخنها 53 مترًا. كانت شركة وايت ستار، الّتي واجهت منافسة قويّة خاصّة من شركات بريطانيّة وألمانيّة امتلكت سفنًا أسرع، قد اختارت التّركيز على الحجم والرّفاهية بدلًا من السّرعة. وقد صُمّمت السّفينة لتحمل أكثر من 2,400 راكب، إضافة إلى ما يقارب ألف فرد من الطّاقم: من البحّارة المسؤولين عن تشغيلها، إلى العمّال الّذين يزوّدون غلّايات البخار بالفحم، ومن الطّهاة والنّوادل إلى الخدم وعمّال النّظافة، وصولًا إلى عازفي الأوركسترا الّذين أحيوا أوقات الضّيوف بالموسيقا.

قدّمت تيتانيك لركّابها الأثرياء مستوًى غير مسبوق من الرّفاهية، فإلى جانب الكبائن الفخمة، احتوت طوابقها العشرة على صالونات وقاعات طعام، مكتبة، مسبح، قاعة اسكواش، حتّى حمّام تركيّ فاخر.

على الرّغم من أنّها لم تكن الأسرع بين السّفن الحديثة، لم تكن تيتانيك بطيئة بالتّأكيد، إذ كانت تستطيع الإبحار بسرعة تصل إلى 23 عقدة (حوالي 43 كم/س)، بفضل 29 غلّاية بخاريّة الّتي حرّكت التّوربينات، والّتي بدورها دارت ثلاث مراوح عملاقة دفعت السّفينة إلى الأمام. اِستهلكت هذه المحرّكات نحو 600 طنّ من الفحم يوميًّا، وانطلقت السّفينة مجهّزة بما يقارب 8,000 طنّ من الفحم. لم تقتصر وظيفة الغلّايات والتّوربينات على دفع السّفينة فقط، بل وفّرت أيضًا الطّاقة الكهربائيّة لإضاءة أرجاء السّفينة ومعدّاتها المختلفة، بما في ذلك ثلاثة مصاعد استخدمها ركّاب الدّرجة الأولى للتّنقّل بين الطّوابق العلويّة.

كان أحد مستهلكي الكهرباء الرّئيسيّين على السّفينة هو جهاز الإرسال والاستقبال الرّاديويّ، الّذي بدأ يُستخدم في تلك الفترة. ولم يكن يُعرف بعد باسم “الرّاديو”، بل كان يُطلق عليه “التّلغراف اللّاسلكيّ”. تمّ تركيب جهاز الرّاديو على متن السّفينة في إطار اتّفاق مع شركة ماركوني (Marconi)، الّتي أسّسها رائد الرّاديو غولييلمو ماركوني. لم تقم شركته ببيع أجهزة اللّاسلكيّ لشركات الملاحة، بل كانت تقوم بتركيبها على السّفن وتشغيلها بنفسها، كما أنّ مشغّلي اللّاسلكيّ لم يكونوا موظّفين في شركة وايت ستار، بل تابعين لشركة ماركوني. سمحت ضخامة السّفينة وقدرتها على توليد الكهرباء بحمل أحد أقوى أجهزة الإرسال الّتي تمّ بناؤها حتّى ذلك الحين، ومع هوائي مرتفع جدًّا مثبّت على أعلى سارية من الطّابق العلويّ، منح هذا السّفينة مدًى إرسال واستقبال استثنائيًّا يزيد على 550 كيلومترًا. لم يكن هذا المدى كافيًا لإقامة اتّصال مباشر مع اليابسة في معظم الرّحلة، لكنّه أتاح الاتّصال بالعديد من السّفن الأخرى الّتي كانت تنقل الرّسائل فيما بينها.

كان مشغّلو اللّاسلكيّ يعملون في غرفة الرّاديو على مدار السّاعة، يتلقّون ويرسلون الرّسائل بنظام المورس. وكان معظم العمل يتعلّق باستلام وإرسال البرقيّات (“ماركونيجرامات” وفق التّسمية التّجاريّة) لصالح الرّكّاب، لكنّهم كانوا أيضًا يديرون الاتّصالات المهنيّة لطاقم السّفينة، بما في ذلك نقل تقارير الطّقس، والرّسائل من سفن أخرى، والتّحذيرات بشأن الأنهار الجليديّة في مسار الإبحار.

אחד ממשדרי הרדיו החזקים שנבנו עד אז, ושני האלחוטנים טיפלו גם במברקים של הנוסעים וגם באזהרות מפני מזג אוויר וקרחונים. חדר האלחוט של הטיטאניק | צילום: פרנסיס בראון (Browne), ויקיפדיה, נחלת הכלל
أحد أقوى أجهزة الإرسال اللّاسلكيّ الّتي بُنيت حتّى ذلك الحين، وقد تولّى عاملا اللّاسلكيّ مهمّة التّعامل مع برقيّات المسافرين وتحذيرات سوء الأحوال الجوّيّة والجليديّات (الجبال الجليديّة). غرفة اللّاسلكيّ في التيتانيك. | تصوير: فرانسيس براون (Browne)، ويكيبيديا، ملكيّة عامّة.

السّفينة الّتي لا يمكن أن تغرق

للدّقّة التّاريخيّة، يجب التّنويه إلى أنّ تيتانيك تمّ تصنيفها على أنّها “سفينة لا يمكن أن تغرق” بعد وقوع الكارثة. ويُرجَّح أنّ مصدر هذا التّعبير يعود إلى تصريحات بول فرانكلين، نائب رئيس شركة وايت ستار، الّذي كان يدير مكاتب الشّركة في نيويورك. عندما وصلت أولى التّقارير عن إشارات الاستغاثة الصّادرة من تيتانيك، صرّح قائلًا: “لدينا ثقة كاملة بهذه السّفينة. إنّها لا يمكن أن تغرق”. وقد ذكرت إحدى المقالات الّتي غطّت عمليّة بناء تيتانيك وسفينة شقيقتها أوليمبك قبل إطلاقهما، أنّهما “عمليًّا غير قابلتين للغرق”. وكان سبب التّفاؤل الكبير بشأن صمود السّفينة – وربّما الغرور أيضًا – يعود إلى وجود 15 حاجزًا مائيًّا تمّ تركيبها على طول الطّوابق السّفلى للسّفينة، حيث قُسّمت الطّوابق الواقعة تحت خطّ الماء إلى 16 قسمًا منفصلًا، وقد وُضعت في هذه الحواجز فتحات لمرور العمّال، لكن كلّ فتحة كانت مزوَّدة أيضًا بباب مقاوم للماء يمكن غلقه خلال ثوانٍ. بالإضافة إلى ذلك، كان كلّ باب مزوَّدًا بمقبض خاصّ وآليّة تشغيل عن بُعد تتيح إغلاقه مباشرة من جسر القيادة، وآليّة إغلاق تلقائيّ تعمل إذا وصل مستوى المياه إلى مترين داخل أيّ قسم.

كان السّيناريو الّذي كان يخشاه أصحاب شركات الملاحة أكثر من أيّ شيء آخر هو اصطدام سفينتين، ممّا قد يتسبّب في فتحة كبيرة في هيكل السّفينة. وقد صُمّمت تيتانيك بحيث تستطيع الاستمرار في الطّفو حتّى إذا امتلأ قسمان متجاوران بالمياه، بل وحتّى ثلاثة أو أربعة أقسام في مقدّمة السّفينة. وعلاوة على ذلك، حتّى إذا تسبّب الاصطدام في غمر ثلاثة أقسام، وفي بعض السّيناريوهات أربعة أقسام، كان التّصميم الدّاخليّ يضمن أن تغرق السفينة ببطء شديد، ممّا يمنح الطّاقم ساعات طويلة، وأحيانًا عدّة أيام، لنقل الرّكّاب بأمان إلى سفن أخرى.

مثل غيرها من السّفن في تلك الحقبة، بُنيت تيتانيك من ألواح فولاذيّة ثُبّتت بالمسامير بعضها إلى بعض. والفولاذ هو سبيكة مكوّنة من الحديد والكربون، وأحيانًا تُضاف إليه عناصر أخرى. وهذه الإضافات تمنح الفولاذ قوّةً ومتانةً ومقاومةً للتّأكسد، إلى جانب قدر من المرونة، بحيث يمكنه عند وقوع اصطدامات عنيفة أن يتمدّد بدلًا من أن ينكسر، وهو ما يُعدّ أفضل بالطّبع عندما تكون هذه الألواح هي الحاجز الّذي يمنع تسرّب المياه إلى داخل السّفينة. كانت معظم الألواح الّتي شُيّدت منها تيتانيك بطول مترين وعرض خمسة أمتار، وبسماكة تتراوح بين 2.5 سنتيمتر وأكثر من 4 سنتيمترات، وذلك تبعًا للموضع في هيكل السّفينة. وقد ثُبّتت هذه الألواح باستخدام أكثر من ثلاثة ملايين مسمار فولاذيّ. أمّا قاع السّفينة فقد صُمّم بجدار مزدوج، بحيث إن أصيب الجدار الخارجيّ بأضرار – نتيجة اصطدام بجرف بحريّ أو بسفينة غارقة مثلًا – فلن يتضرّر الجدار الدّاخليّ، وبذلك لا يُتوقَّع أن تغرق السّفينة مباشرةً.

عشرة طوابق، و15 حجرة فاصلة. مقطع فيديو يوضّح البنية المعماريّة لسفينة التيتانيك:

37 ثانية

بصورةٍ رسميّة، كان ميناء ليڤربول الواقع غرب إنجلترا هو الميناء الرّئيسيّ لتيتانيك ولسائر سفن شركة “وايت ستار”. غير أنّه في مطلع القرن العشرين أصبح ميناء ساوثهامبتون جنوب إنجلترا الميناء الأساسيّ لخطوط الملاحة المتّجهة إلى أميريكا، وذلك لسببين رئيسيّين: قربه من مدينة لندن، وإمكانيّة جمع الرّكّاب بسهولة أكبر من فرنسا، غالبًا عبر ميناء شيربورغ.

أبحرت تيتانيك في رحلتها الأولى من ميناء ساوثهامبتون ظهر يوم الأربعاء، العاشر من نيسان/أبريل 1912. وفي المساء توقّفت في شيربورغ بفرنسا لجمع ركّاب إضافيّين، ثمّ في اليوم التاّلي عند الظّهر توقّفت في كوينزتاون (أيرلندا) لجمع ركّاب آخرين قبل أن تواصل رحلتها باتّجاه نيويورك، حيث كان من المقرّر أن ترسو في السّابع عشر من الشّهر ذاته. كان على متن السّفينة في رحلتها الأولى نحو 1,317 راكبًا، إضافة إلى حوالي 885 فردًا من الطّاقم. وقد صُمّمت “تيتانيك” لتحمل أكثر من 2,450 راكبًا، إلّا أنّ إضراب عمّال مناجم الفحم في إنجلترا أدّى إلى اضطراب جداول الإبحار لدى شركات الملاحة في الأسابيع الّتي سبقت الرّحلة، ما جعل العديد من الرّكّاب يفضّلون انتظار انتهاء الإضراب.

من بين 324 راكبًا في الدّرجة الأولى، كان هناك عدد من أثرياء نيويورك، إضافةً إلى جوزيف إيسماي (Ismay)، مدير شركة وايت ستار، وكذلك توماس أندروز (Andrews)، المصمّم الرّئيسيّ للسّفينة، الّذي انضمّ إلى الرّحلة ليتابع شخصيًّا أداءها ويتعامل مع أيّة مشكلات محتملة. أمّا قبطان السّفينة، إدوارد سميث (Smith)، فكان كبير ربابنة الشّركة، وقد نُقل إلى قيادة تيتانيك بعد أن تولّى قيادة السّفينة الشقيقة أوليمبيك في رحلاتها الأولى.

جرت الرّحلة بهدوء خلال الأيّام الثّلاثة الأولى. وقد تلقّت السّفينة عبر جهاز التّلغراف اللّاسلكيّ عدّة تحذيرات من وجود جبال جليد في خطّ الملاحة، غير أنّ القبطان إدوارد سميث فضّل الاستمرار في المسار المرسوم وبالسّرعة العالية. ورغم أنّ تيتانيك لم تكن تحاول كسر أيّ رقم قياسيّ في السّرعة، فإنّ الالتزام بالجداول الزّمنيّة كان ذا أهمّيّة قصوى بالنّسبة لشركات الملاحة. فالخفض في السّرعة كان سيؤدّي بطبيعة الحال إلى تأخير السّفينة، وكذلك تغيير مسارها نحو الجنوب، إذ إنّ المسار الجنوبيّ أطول بسبب كرويّة الأرض.

في ليلة 14 نيسان/أبريل، عند السّاعة 11:40 مساءً، لمح المراقب المتمركز في سارية المقدّمة جبلًا جليديًّا يعترض خطّ الملاحة. وبسبب غياب القمر تلك اللّيلة، لم يلمع الجبل بلون أبيض، بل بدا كظلّ داكن فوق سطح المياه السّوداء، ولهذا لم يتعرّف إليه المراقب إلّا عندما أصبح قريبًا جدًّا. في تلك اللّحظة كان القبطان إدوارد سميث قد خلد إلى فراشه، فتولّى الضّابط الأوّل ويليام مردوخ (Murdoch) زمام المبادرة: أصدر أمرًا فوريًّا للموجّه بتحريك السّفينة يسارًا، ووجّه غرفة المحرّكات إلى عكس دوران المراوح لتهدئة سرعة السّفينة، كما ضغط على الزّرّ المسؤول عن إغلاق جميع أبواب الحجرات المانعة لتسرّب المياه. لكن كان الأوان قد فات. فبعد 37 ثانية فقط من التّحذير الأوّل، اِرتطم الجبل الجليديّ بالجانب الأيمن من مقدّمة السفينة وجرح هيكلها، ممّا أدّى إلى تمزّق أجزاء منه. معظم الرّكّاب لم يشعروا بشيء يُذكر، بينما أحسّ آخرون باهتزاز خفيف وتوقّف مفاجئ للحركة، أمّا الرّكّاب في الطّوابق السّفليّة عند مقدّمة السّفينة فقد شعروا بقوة الصّدمة بوضوح، بل إنّ بعضهم قُذف من أسرّتهم. كذلك، شعر العمّال في غرف الغلّايات الأماميّة بالضّربة العنيفة بكلّ تفاصيلها.

بدأ بعض الرّكّاب بمحاولة الاستفسار من أفراد الطّاقم عمّا حدث، غير أنّ معظم أفراد الطّاقم أنفسهم لم يكونوا بعد مطّلعين على التّفاصيل، ولم يتمكّنوا من تقديم إجابات واضحة، ولم يتمكّن سوى القليل من الرّكّاب من رؤية الجبل الجليديّ مباشرة، والّذي ارتفع قرابة ثلاثين مترًا فوق سطح الماء، قبل أن ينزلق مبتعدًا عن السّفينة ويختفي مجدّدًا في الظّلام. لكنّه ترك وراءه آثارًا على الطّوابق السّفلى فوق سطح البحر: عدّة أطنان من قطع الجليد، الّتي خرج بعض الرّكّاب لتفحّصها، بينما انشغل آخرون باللّعب بها.

 يُصوّر تسلسل الأحداث في تلك اللّيلة بشكل جيّد في كتاب “ليلة لا تُنسى” (A Night to Remember) للمؤلّف والتر لورد (Lord)، الّذي استند إلى مقابلات ووثائق مع النّاجين. سرعان ما وصل القبطان سميث إلى جسر القيادة وتولّى القيادة شخصيًّا، فأصدر أوامر لاستدعاء أندروز، باني السّفينة، وكذلك ماثيو، وخرج معه ومع بعض الضّبّاط في جولة لفحص الأضرار. وفي الوقت نفسه، بدأت التّحذيرات تتدفّق إلى جسر القيادة من غرف الغلّايات وغرف الشّحن وأماكن أخرى، تفيد بتسرّب المياه بسرعة إلى داخل السّفينة. وأظهرت البيانات أنّ الجبل الجليديّ أحدث تمزّقًا بطول نحو مئة متر، وأنّ المياه تتسرّب إلى الأقسام الخمسة الأماميّة للسّفينة، وأوضح أندروز للطّاقم أنّ السّفينة قادرة على الطّفو حتّى لو امتلأ ثلاثة من الأقسام الأماميّة بالمياه، بل وحتّى إذا غمرت المياه الأربعة أقسام الأماميّة، لكنّه شدّد على أنّه لا يمكن للسّفينة أن تبقى طافية إذا غمرت المياه كلّ الأقسام الخمسة. علاوة على ذلك، فإنّ الحاجز في القسم الخامس يصل فقط إلى نصف ارتفاع السفينة في الطّوابق الخمسة السّفلى، فإذا غمرت المياه هذه الطّوابق، ستتدفّق المياه إلى الأقسام التّالية عبر الطّوابق العليا، فوق الحواجز. وهكذا، كان مصير تيتانيك قد تحدّد مسبقًا.

גורלה של הספינה נחרץ תוך דקות אחדות. רב החובל אדוארד סמית' (מימין), הקצין הראשון ויליאם מרדוק והמתכנן הראשי של האנייה תומס אנדרוז | ויקיפדיה, נחלת הכלל
لقد حُدّد مصير السّفينة خلال دقائق معدودة. يظهر في الصّورة القبطان إدوارد سميث (على اليمين)، مع الضّابط الأوّل ويليام مردوخ، والمصمّم الرّئيسيّ للسّفينة توماس أندروز. | ويكيبيديا، الملكيّة العامّة

فوضى تامّة

في السّاعة 12:05 صباحًا من 15 نيسان/أبريل، أي بعد 25 دقيقة من الاصطدام، أصدر القبطان سميث أوامره لضبّاطه بفتح قوارب النّجاة وتجهيز الرّكّاب. لم تكن قوانين الطّوارئ في تلك الفترة تُلزم السّفن بتجهيز قوارب نجاة تتّسع لجميع الرّكّاب وأفراد الطّاقم. كانت تيتانيك مزوّدة بعشرين قارب نجاة: أربعة عشر قاربًا عاديًّا، وفق ما كانت تطلبه قوانين الملاحة البريطانيّة لكلّ سفينة يزيد وزنها عن 10,000 طنّ (بينما كانت تيتانيك تزن تقريبًا خمسة أضعاف ذلك!)، وقاربَيْن من نوع آخر، وأربعة قوارب قابلة للطّيّ بجوانب من القماش، كان من المفترض أن يقوم الطّاقم بفتحها وتجميعها في حالات الطّوارئ. وبمجموع جميع القوارب، كان بالإمكان إيواء أقلّ بقليل من 1,200 شخص، أي نحو نصف عدد الرّكّاب الّذي كانت السّفينة قادرة على حمله، دون احتساب أفراد الطّاقم.

من منظور اليوم، تبدو هذه اللّوائح غير مسؤولة على الإطلاق. ومع ذلك، آنذاك كانت تبدو معقولة بالنّظر إلى إمكانيّات السّفن المتقدّمة في تلك الفترة، فمسار عبور المحيط الأطلسيّ كان يعجّ بسفن الرّكّاب والبضائع، ومعظمها مجهّز بجهاز التّلغراف اللّاسلكيّ، وكانت السّفينة الّتي تتعرّض للمحنة تستطيع أن تطلب المساعدة، ومن المحتمل جدًّا أن يكون هناك عدّة سفن على بُعد ساعات قليلة على الأكثر. كما ذكرنا، حتّى في حال حدوث أضرار جسيمة تمنع السّفينة من الاستمرار في الإبحار، كانت تيتانيك متوقّعة أن تبقى طافية لبضعة أيام، ممّا يوفّر وقتًا كافيًا لنقل الرّكّاب بواسطة القوارب إلى السّفن الأخرى الّتي ستأتي لمساعدتها، مع إمكانيّة قيام كلّ قارب بعدّة رحلات متتابعة. لم يتخيّل أحد حينها أنّ السّفينة قد تغرق قبل أن تصل السّفن الأخرى إليها.

جرى رفع الرّكّاب إلى قوارب النّجاة بشكل فوضويّ تمامًا. بشكل عامّ، كانت سياسة السّفينة تقوم على قاعدة “النّساء والأطفال أوّلًا”، لكن لم يتمّ الالتزام بها في جميع القوارب. أدّى الخلل في القيادة، وعدم التّنسيق بين أفراد الطّاقم المسؤولين عن تشغيل رافعات القوارب، وقلّة الانضباط، وتهاون بعض الرّكّاب وأفراد الطّاقم، إلى السّماح في بعض القوارب للرّجال بالصّعود، بينما مُنعوا في قوارب أخرى، الأمر الّذي أدّى بشكل رئيسيّ إلى نزول معظم القوارب إلى البحر وهي غير ممتلئة بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، واجه الطّاقم صعوبة في تشغيل القوارب القابلة للطّيّ، وكانت قوارب النّجاة قادرة نظريًّا على استيعاب حوالي 1,200 شخص، أي نحو نصف عدد الرّكّاب وأفراد الطّاقم، لكن في الواقع صعد إليها حوالي 700 شخص فقط.

على بعد نحو 15 كيلومترًا فقط من مكان اصطدام تيتانيك، كانت تقف في المياه سفينة كالفورنيان (Californian)، وهي سفينة صغيرة نسبيًّا وخالية من الرّكّاب، كانت في رحلة من ليفربول إلى بوسطن. بعد أن لاحظ طاقمها وجود عدّة جبال جليديّة في المياه، قرّر القبطان إبقاء السّفينة في مكانها حتّى صباح اليوم التّالي لتجنّب أيّ اصطدام. أرسل اللّاسلكيّ الوحيد على متن كالفورنيان رسالة تحذيريّة عن وجود الجليد، ثمّ ذهب للنّوم عند السّاعة 11:30 مساءً، أما لاسلكيّو تيتانيك، الّذين كانوا مشغولين بإرسال برقيّات الرّكّاب، فقد فاتهم هذه الرّسالة الأخيرة، رغم أنّهم تلقّوا تحذيرات سابقة عن الجليد وتمّ تمريرها إلى جسر القيادة. بعد اصطدام تيتانيك بالجبل الجليديّ، بدأ اللّاسلكيّون في إرسال إشارة الاستغاثة الدّوليّة المتعارف عليها CQD (اِختصار لـ”Come Quickly – Danger”). قبل عدّة سنوات، في عام 1906، اِختار المؤتمر الدّوليّ الثّاني للاتّصالات اللّاسلكيّة إشارة استغاثة أبسط للإرسال والاستقبال، وهي SOS، لكن معظم السّفن كانت لا تزال تستخدم الإشارة القديمة. اِستخدم لاسلكيّو تيتانيك كلا الإشارتين بالتّناوب في تلك اللّيلة المصيريّة.

טכנולוגיה חדשנית במימון הצי האמריקאי, שנועדה גם לשימוש אזרחי. הצוללת הלא מאוישת "ארגו" בדרך לחיפוש הטיטאניק ב-1985 | צילום:  Woods Hole Oceanographic Institution Archives
في معظم قوارب النّجاة الّتي أُنْزِلت إلى المياه، كان هناك مكان لركّاب إضافيّين. تظهر إحدى القوارب القابلة للطّيّ مع النّاجين في صورة التقطها أحد ركّاب سفينة "كارباتيا" الّتي قامت بانتشال النّاجين. | تصوير: J.W. Barker، ويكيبيديا، الملكيّة العامّة

كوارث كان بالإمكان تفاديها

لم تلتقط سفينة كالفورنيان القريبة، الّتي كان بإمكانها الوصول إلى تيتانيك قبل غرقها بسهولة، إشارات الاستغاثة، لأنّ اللّاسلكيّ الوحيد على متنها لم يكن في نوبته بعد. وعندما ساءت الأوضاع وأطلق ضبّاط تيتانيك ألعابًا ناريّة للإشارة إلى الخطر في الهواء، رآها ضباط كالفورنيان فوق الأفق، لكنّهم لم يفهموا أنّها نداء استغاثة وتجاهلوها. بعد منتصف اللّيل بقليل، اِلتقطت نفس إشارة الاستغاثة سفينة كارباتيا (Carpathia) وهي سفينة ركّاب أميريكيّة كانت في طريقها من نيويورك إلى كرواتيا. كانت على بعد 100 كيلومتر من تيتانيك، فتوجّهت إليها بأقصى سرعة ممكنة. كما انحرفت سفينة أخرى، بيرما (Birma)، عن مسارها نحو تيتانيك بعد أن التقطت إشارات الاستغاثة، لكنّها كانت على مسافة أبعد.

عندما امتلأت الأقسام الأماميّة من تيتانيك بالمياه، بدأت مقدّمة السّفينة تغرق بسرعة متزايدة، وارتفعت مؤخّرتها في الهواء، ممّا صعّب أكثر إنزال قوارب النّجاة المتبقّية. تسارعت وتيرة الغرق، وبحسب بعض الرّكّاب، انكسرت السفينة في منتصفها بفعل القوى المؤثّرة عليها. كما بدأت مؤخّرتها بالغرق أيضًا، بزاوية تكاد تكون رأسيّة، بينما كان العديد من الأشخاص لا يزالون متمسّكين بها. وفي الساعة 2:20 فجرًا، أي أقلّ من ثلاث ساعات بعد اصطدام الجبل الجليديّ، غرقت تيتانيك في أعماق البحر، على بعد نحو 600 كيلومتر من السّواحل الشّرقيّة لكندا.

تمسّك العديد من أفراد الطّاقم، بما فيهم القبطان، بمبادئ الشّجاعة والإقدام، ولم يسعوا لإنقاذ أنفسهم أثناء غرق السّفينة. ويُذكر على وجه الخصوص عازفو الأوركسترا الّذين، عندما أدركوا أنّ النّجاة مستحيلة، تمركزوا على السّطح العلويّ واستمرّوا في العزف حتّى لحظة غرق السّفينة.

في المجمل، نجا 710 من الرّكّاب وأفراد الطّاقم على متن تيتانيك، وتمّ نقلهم إلى نيويورك على متن سفينة كارباتيا (Carpathia)، بينما فقد 1,500 شخص حياتهم، في ما يُعدّ أكبر كارثة بحريّة مدنيّة في التّاريخ. كما هو الحال في كلّ كارثة، فقد نشأت هذه الكارثة نتيجة تضافر عدّة عوامل، وكان بإمكان تفاديها أو تقليل حجم الخسائر بشكل كبير لو تمّ التّعامل مع أيّ منها بشكل مختلف. على سبيل المثال، لو غيّر القبطان سميث مسار السّفينة نحو الجنوب، ممّا كان سيطيل الرّحلة ببضع ساعات، ربّما كان من الممكن تجنّب الاصطدام. وحتّى لو اكتفى بخفض سرعة السّفينة إلى نصف سرعتها في تلك اللّيلة، لكان قد توافر وقت أكبر للتّحذير وربّما تمكّنت السّفينة من تجاوز الجبل الجليديّ بأمان. هناك أيضًا تقدير مفاده أنّه لو لم يوجّه الضّابط الأوّل مردوك السّفينة للانعطاف نحو اليسار، وحدث الاصطدام بشكل مباشر بمقدّمة السّفينة، لربّما لم تكن السّفينة لتغرق؛ فقد كانت ستتعرّض لأضرار كبيرة، والجبل الجليديّ لم يكن ليقطع شقًّا كبيرًا في بدن السّفينة، ولم تُغمر خمسة من أقسامها بالمياه. في هذه الحالة، كان من الممكن أن تظلّ السّفينة طافية لفترة أطول، ويتمّ إنقاذ جميع الرّكّاب. يبدو أنّ البرودة الشّديدة أسهمت في تفاقم الكارثة، إذ فقد الصّلب المستخدم (الفولاذ) في بناء السّفينة جزءًا من مرونته عند درجات الحرارة المنخفضة، وأصبح هشًّا وقابلًا للكسر، ما أدّى إلى الأضرار الكبيرة عند الاصطدام بالجبل الجليديّ. لم تتأثّر ألواح الصّلب فقط، بل أيضًا المسامير التي تربطها؛ إذ “حَلَقَ” الجبل الجليديّ رؤوسها، اِنفصلت الألواح، ودخلت المياه بينها. كان من الممكن إنقاذ حياة العديد من الرّكّاب لو توفّرت عوامل مثل عدد أكبر من قوارب النّجاة، تنظيم أفضل لإجلاء الرّكّاب، ويقظة أكبر من طاقم سفينة كالفورنيان.

نجا نحو ثلث ركّاب سفينة تيتانيك فقط. وتوثّق الصّور وصول النّاجين إلى نيويورك على متن سفينة كارباتيا، بعد ثلاثة أيّام من الكارثة.

الدّروس والعبر

أسهمت كارثة تيتانيك في صياغة العديد من الإجراءات والقوانين في مجال الملاحة البحريّة، الّتي تبدو لنا اليوم بديهيّة. ففي عام 1914، تمّ اعتماد معاهدة دوليّة للسّلامة في البحر، وبعدها أصدرت العديد من الدّول قوانين تُلزم شركات الملاحة بتجهيز سفنها بقوارب نجاة تكفي جميع الرّكّاب وأفراد الطّاقم. كما أصبح طاقم السّفينة ملزمًا بالتّدريب على تشغيل القوارب وإطلاقها إلى الماء.

نتيجة للكارثة، تمّ تعديل إجراءات تشغيل الرّاديو على السّفن، فأصبح إلزاميًّا أن يتواجد مشغّل لاسلكيّ على متن كلّ سفينة على مدار 24 ساعة، مع توفير مصدر طاقة احتياطيّ لجهاز الرّاديو، كما تمّ تخصيص تردّدات محدّدة للبثّ في حالات الطّوارئ، لضمان عدم ابتلاع نداءات الاستغاثة ضمن البثّ الاعتياديّ. بالإضافة إلى ذلك، تمّ الاتفاق على أنّ الألعاب النّاريّة الحمراء تعدّ رمزًا لحالات الخطر.

اِستنتاج آخر للكارثة هو الحاجة الدّوليّة لتعزيز التّنبّؤات الجوّيّة والتّحذيرات من الجبال الجليديّة. ومن بين الخطوات الّتي تمّ اتّخاذها في هذا المجال تأسيس “حرس الجليد، وهي منظّمة دوليّة بقيادة خفر السّواحل الأميريكيّ، تقوم حتّى اليوم بتشغيل سفن وأجهزة مراقبة لتتّبع الجبال الجليديّة في شمال المحيط الأطلسيّ. ويقوم أعضاء المنظّمة أيضًا بوضع باقة من الزّهور سنويًّا في 15 أبريل عند موقع غرق تيتانيك، تخليدًا لذكرى الضّحايا.

سنوات من البحث

بعد فترة وجيزة من الكارثة، أنشأت عائلات بعض الضّحايا صندوقًا ماليًّا لتمويل البحث عن السّفينة الغارقة وإنقاذها من البحر. لكن سرعان ما تبيّن أنّ الفكرة غير قابلة للتّطبيق، فتيتانيك غرقت في منطقة يصل عمق مياهها إلى نحو أربعة كيلومترات، وفي ذلك الوقت لم تكن هناك غوّاصات قادرة على الوصول إلى مثل هذه الأعماق، ناهيك عن استخراج سفينة تزن 45 ألف طنّ، كما أنّ الموقع الدّقيق للسّفينة الغارقة لم يكن معروفًا، وكانت هناك شكوك بشأن مدى دقّة الإحداثيّات الّتي أرسلتها تيتانيك لاسلكيًّا عند الاصطدام. حتّى لو كانت الإحداثيّات دقيقة، فمن المحتمل جدًّا أنّ السّفينة انجرفت لمسافة ما بين مكان الاصطدام وموقع الغرق النّهائيّ، وشقّت طريقًا أفقيًّا قبل الوصول إلى القاع.

في عام 1953، قاد رجل الأعمال ريزدون بيزلي (Beazley) محاولة للعثور على حطام تيتانيك باستخدام طريقة مبتكرة: تفجير مادّة متفجّرة في البحر، ورسم خريطة لقاع البحر باستخدام جهاز السّونار الّذي يلتقط صدى الانفجار، على أمل اكتشاف السّفينة بهذه الطّريقة. لم يتمّ العثور على الحطام، ولحسن الحظّ، لم تلحق الانفجارات أيّة أضرار به.

منذ ستّينيّات القرن الماضي، ظهرت عدّة أفكار لاستخدام غوّاصات غير مأهولة للعثور على حطام السّفينة ورفعها، مثل الاعتماد على بالونات كبيرة تُربط بالغوّاصة وتُنفخ في أعماق البحر. أسّس بعض رجال الأعمال لهذا الغرض شركة باسم The Titanic Salvage Company، لكنّ المشروع انهار بعد أن تبيّن أنّ التّقنيّات المقترحة غير مناسبة لرفع سفينة بهذه الضّخامة من مثل هذا العمق، بالإضافة إلى أنّ المكان الدّقيق للحطام لم يكن معروفًا بعد.

على مدى السّنوات التّالية، ظهرت أفكار متزايدة لرفع السّفينة الأسطوريّة إلى السّطح، بدءًا من ملئها بكُرات تنس الطّاولة أو ضخّ عشرات آلاف الأطنان من الشّمع داخلها، وصولًا إلى تجميدها بملايين الأطنان من الثّلج عبر ضخ كمّيّات هائلة من النّيتروجين السّائل حول السّفينة الغارقة، بحيث تطفو كتلة الثّلج على سطح الماء وتتمكّن السّفن من سحبها إلى الميناء. لكن هذه الأفكار سقطت واحدة تلو الأخرى، سواء بسبب عدم الجدوى العلميّة أو التّكاليف الماليّة الخياليّة، وأيضًا بسبب الواقع البسيط أنّ السّفينة لم يُعثر عليها بعد، ولم يكن معروفًا وضعها الحقيقيّ.

حظي الاهتمام الجماهيريّ المتزايد بتيتانيك بتجسيد أيضًا في رواية مغامرات شعبيّة صدرت في الولايات المتّحدة عام 1976. في كتاب “اِرفعوا التيتانيك!”. نسجَ الكاتب كلايف كاسلر (Cussler) حبكة تدور حول بطل يتمكّن من سدّ الثّقوب في هيكل السّفينة ورفعها إلى السّطح عبر ملئها بالهواء، للوصول إلى معدن نادر كانت قد حملته السّفينة على ما يُزعم. وقد تمّ تحويل الرّواية الناّجحة إلى فيلم سينمائيّ عام 1980، إلّا أنّ الفيلم فشل تجاريًّا.

على عكس منتجي الأفلام الرّوائيّة، بحثت أستوديوهات ديزني وشركة ناشيونال جيوغرافيك إمكانيّة تمويل البحث عن السّفينة باستخدام غوّاصة ألمنيوم فريدة كانت قد غاصت مسبقًا إلى مثل هذه الأعماق، وإنتاج فيلم وثائقيّ عن العمليّة، لكنّهم في النّهاية تخلّوا عن المشروع بسبب التّكاليف المتوقّعة.

في تلك الفترة، بدأ عالم المحيطات الشّابّ روبرت بلارد، الباحث في معهد وودز هول (Woods Hole) قرب بوسطن، بوضع خطط للعثور على سفينة تيتانيك الغارقة. كان بلارد يرى أنّه بالنّظر إلى تطوّر التّكنولوجيا، من الأفضل استخدام غوّاصات غير مأهولة مزوّدة بأجهزة سونار وكاميرات ومعدّات أخرى، مع وجود المشغّلين على متن سفينة بحث. هذه الغوّاصات تستطيع البقاء تحت الماء لفترات أطول بكثير مقارنة بالغوّاصات المأهولة، الّتي يمكنها العمل لساعات محدودة فقط. روى بلارد في كتابه المعارضة التي واجهها من زملائه ومديري المعهد بسبب ما اعتُبر نشاطًا “غير أكاديميّ” مثل البحث عن السّفينة الغارقة، لكنّه لم يتخلّ عن مشروعه. أسّس مع شركاء شركة مخصّصة للبحث عن السّفينة، وفي عام 1977 انطلق في مهمّته على متن سفينة كانت قد استُخدمت سابقًا في عمليّات حفر النّفط. تمّ تحويل أنبوب نفط بطول عدّة مئات من الأمتار إلى كابل لسحب الغوّاصة، مزوّدة بكامل معدّاتها الإلكترونيّة. وللأسف، تمزّق الكابل، وسقطت الغوّاصة مع المعدّات الّتي بلغت قيمتها مئات الآلاف من الدّولارات (ما يعادل ملايين بالقيمة الحاليّة) إلى أعماق البحر.

جنبًا إلى جنب مع عدد من المبادرات الأخرى الّتي قامت وسقطت، قاد أكبر مشروع جادّ للعثور على السّفينة قطب النّفط جاك غريم (Grimm). أسّس غريم فريقًا من الخبراء من الأوساط الأكاديميّة، وقدّم إسهامات سخيّة لجامعة كولومبيا في نيويورك مقابل استخدام جهاز السّونار الفريد للجامعة وفريقها التّقنيّ. في صيف 1980، قامت بعثة البحث الّتي أشرف عليها بمسح منطقة الغرق لمدّة ثلاثة أسابيع تقريبًا، وحدّدت أهدافًا محتملة لمزيد من البحث التّفصيليّ، لكنّها لم تعثر على أيّ شيء واضح، بسبب قيود جهاز السّونار. في صيف 1981، اِنطلقت بعثة غريم في رحلة أخرى، وفي اليوم الأخير اكتشفوا جسمًا بدا كأنّه مروحة. هرع غريم للإعلان عن اكتشاف تيتانيك، لكنّ العلماء في فريقه أبدوا شكوكهم حول صحّة الاكتشاف ورفضوا دعم الإعلان. في عام 1983، اِنطلقت بعثة أخرى لغريم وفريقه، وعادوا فارغي اليدين، بسبب أحوال بحريّة عاصفة.

הוביל את היוזמות המשמעותיות ביותר לחיפוש האנייה הטרופה, אבל חזר בידיים ריקות. ג'ק גרים (מימין) | מקור: titanicconnections.com
قاد أبرز المبادرات للبحث عن السّفينة الغارقة، لكنّه عاد خالي اليدين. جاك غريم (على اليمين) | المصدر: titanicconnections.com

نتيجة للإخفاقات السّابقة

منذ رحلة البحث عام 1977، ركّز بلارد جهوده على تطوير غوّاصات بحثيّة جديدة. بفضل علاقاته الجيّدة، أقنع قادة البحريّة الأميريكيّة باستثمار ملايين الدّولارات في تطوير غوّاصات كهذه، الّتي يمكن أن تُستخدم أيضًا لأغراض عسكريّة، مثل اكتشاف الغوّاصات، السّفن، الطّائرات العسكريّة الغارقة، مراقبة منشآت العدوّ، بالإضافة إلى الأبحاث المدنيّة. النّظام الّذي طوّره شمل غوّاصة غير مأهولة باسم “آرغو”، مجهّزة بجهاز سونار وكاميرات، وروبوت يُدعى “ياسون” مرتبط بكابل بالغوّاصة وهو يمسح قاع البحر. الاسمان مُستمدّان من أسطورة “صوف الذّهب” في الميثولوجيا اليونانيّة، حيث يقود ياسون رحلة شجاعة للأبطال على السّفينة آرغو. وفقًا للاتّفاق، بعد انتهاء بلارد من استخدام النّظام في مهامّ للبحريّة، سيكون بإمكانه الاستفادة منه في الأبحاث المدنيّة بتنسيق معها.

في عام 1984، دشّن بلارد النّظام من خلال إجراء مسح لحطام غوّاصتين أميريكيتيّن غرقتا في المحيط الأطلسيّ. وفي صيف 1985، طُلب منه العودة إلى إحدى الغوّاصتين، وبعد ذلك حصل على إذن لاستخدام المعدّات في البحث عن تيتانيك. وافق على التّعاون مع وكالة الأوقيانوغرافيا الفرنسية IFREMER لإجراء بحث مشترك عن السّفينة التّاريخيّة، وأظهرت بعثات غريم أنّ الإحداثيّات الخاصّة بتيتانيك لم تكن دقيقة، فوسّعوا منطقة البحث لتغطّي نحو 500 كيلومتر مربّع، وكان الاتّفاق أن يقوم الفرنسيّون بمسح المنطقة باستخدام سونار متطوّر، ثمّ ينضمّ إليهم بلارد لاستكمال البحث بواسطة آرغو وياسون.

טכנולוגיה חדשנית במימון הצי האמריקאי, שנועדה גם לשימוש אזרחי. הצוללת הלא מאוישת "ארגו" בדרך לחיפוש הטיטאניק ב-1985 | צילום:  Woods Hole Oceanographic Institution Archives
تكنولوجيا مبتكرة بتمويل من البحريّة الأميريكيّة، صُمّمت أيضًا للاستخدام المدنيّ. الغوّاصة غير المأهولة "آرغو" في طريقها للبحث عن تيتانيك عام 1985 | تصوير: أرشيف مؤسّسة وودز هول لعلوم المحيطات

البحث عن سفينة غارقة باستخدام السّونار يُعدّ تحدّيًا هائلًا، فالسّونار في الواقع يشبه الرّادار، إذ يرسل موجات نحو قاع البحر ويكوّن صورة لسطحه اعتمادًا على الفروق في أوقات عودة الموجات، لكن على عكس الرّادار الّذي يستخدم موجات الرّاديو، السّونار يستخدم موجات صوتيّة. تمّ تطوير هذه التّكنولوجيا بالفعل خلال الحرب العالميّة الأولى لاكتشاف الغوّاصات، ومنذ ذلك الحين تمّ تحسينها بشكل كبير. ومع ذلك، فهي ممتازة لاكتشاف الأجسام المتحرّكة أو لرسم خرائط طبوغرافيّة لسطح القاع، لكن من الصّعب جدًّا استخدامها لاكتشاف جسم اصطناعيّ ساكن في القاع. حتّى السّونار عالي الدّقّة يواجه صعوبة في التّمييز بين سفينة وصخور أو تكوينات أرضيّة، ولهذا يلزم معدّات متطوّرة، ومهارة عالية في التّشغيل، إضافة إلى قدر من الحظّ، أو استخدام نهج مختلف تمامًا.

في شهري تمّوز وآب 1985 قامت سفينة فرنسيّة بمسح منطقة البحث لمدّة خمسة أسابيع، لكنّها لم تعثر على حطام التيتانيك. ومع اقتراب نهاية آب انضمّ إليها روبرت بلارْد وفريقه مزوّدين بمركبتين غير مأهولتين مزوّدتين بسونار وكاميرات. لم يكن أمامهم سوى أقلّ من أسبوعين ضمن الفترة الزّمنيّة الّتي خصّصها لهم الأسطول الأميركيّ. وبعد إخفاقات المحاولات السّابقة، واستنادًا إلى خبرته في تحديد مواقع غوّاصتين غارقتين، قرّر بلارد ألّا يركّز على البحث عن جسم السّفينة نفسه، بل على حقل الحطام الّذي تركته في طريقها نحو الأعماق، فحتّى لو بقي هيكل السفينة سليمًا، فمن المرجّح أن الكثير من الأغراض الّتي انجرفت منها شكّلت أثرًا طويلًا على قاع البحر، أكبر بكثير من حجم السّفينة ذاتها. مثل هذا الأثر يصعب للغاية اكتشافه عبر السّونار، لذلك فضّل بلارد الاعتماد على الكاميرات لمسح قاع البحر. وعلى مدار أسبوع كانت السّفينة تجوب المنطقة ذهابًا وإيابًا، فيما كانت المركبة غير المأهولة تتحرّك تحت الماء، وبلارد وفريقه يديرون غرفة المراقبة على مدار 24 ساعة في اليوم.

גילו את השברי בעומק 3,800 מטר, יותר מ-20 קילומטר ממקום הטביעה המשוער. רוברט בלארד | צילום: HANK MORGAN / SCIENCE PHOTO LIBRARY
تمّ العثور على الحطام على عمق 3,800 متر، وعلى بُعد يزيد عن 20 كيلومترًا من موقع الغرق المُفترض. روبرت بلارد | تصوير: HANK MORGAN / SCIENCE PHOTO LIBRARY

لم يتخلَّ الفريق تمامًا عن تقنية السّونار، فقد كانت الغوّاصة “آرغو” مجهّزة بسونار وسّع نطاق البحث، ممّا أتاح لها تحديد أهداف مشبوهة وتوجيه الكاميرات نحوها. في الأوّل من أيلول/سبتمبر 1985، أسفرت هذه الطّريقة عن النّتائج الأولى. بعد منتصف اللّيل بقليل، رصد مشغّلو “آرغو” ما بدا وكأنّه حقل الحطام المنشود. وبعد دقائق، ركّزت الكاميرات على شظايا متناثرة في قاع البحر، على عمق 3,800 متر، وسرعان ما ظهر جسم أسطوانيّ يزيد قطره على خمسة أمتار، يحوي ثلاثة فتحات – أحد أفران الفحم التّسعة والعشرين الّتي كانت تولّد البخار لدفع السفينة. قال بلارد: “كان يبدو تمامًا كما في صور التيتانيك الّتي درسناها”. وواصلوا مسحهم لحقل الدّمار، ويتابع بلارد: “إذ التقط جهاز السّونار جسمًا بارتفاع 30 مترًا شمال موقعنا. كان ذلك على بُعد 21.7 كيلومترًا جنوب شرق موقع معروف للتيتانيك، لكن نظرًا لكثرة الحطام، اعتقدنا أنّه ربما جزء كبير من هيكل السّفينة”.

في اليوم التّالي، الثّاني من أيلول/سبتمبر، اِقتربت الغوّاصة آرغو بحذر من الجسم الضّخم الّذي ظهر في أعماق البحر. هناك، تمكّن بلارد وفريقه من التّعرّف إلى سطح السّفينة العلويّ، موقع جسر القيادة، قاعدة الصّاري الأماميّ، وغيرها. مع استمرار المسح تبيّن أنّ السّفينة قد انشطرت إلى قسمين، على الأرجح قبل أن تغرق بالكامل. الجزء الخلفيّ عُثر عليه على بُعد نحو 600 متر من المقدّمة، وكان متضرّرًا بدرجة أكبر، ربما لأنّه لم يمتلئ بالماء تدريجيًّا مثل الجزء الأماميّ، بل غاص دفعة واحدة نحو الأعماق. وباستخدام روبوت آخر مزوّد بكاميرات، تمكّن الفريق من التقاط عشرات الصّور للحطام والتّعرّف إلى العديد من الأغراض المبعثرة في الموقع: حقائب سفر، أكواب، زجاجات نبيذ، وغيرها. 

بعد 40 عامًا. مقابلة قصيرة مع روبرت بالارد حول اكتشاف التيتانيك والتّطوّرات منذ ذلك الحين:

بقايا من الأعماق

اِكتشاف حطام التيتانيك بعد 73 عامًا من الغرق أثار اهتمامًا جماهيريًّا هائلًا. لاحقًا تبيّن أنّ الفريق الفرنسيّ وفريق غريم مرّا قريبًا جدًا من الحطام، لكنّهما لم يتعرّفا عليه باستخدام السّونار وحده. في العام التّالي 1986، عاد بالارد وفريقه إلى موقع التيتانيك، وهذه المرّة على متن غوّاصة مأهولة للأعماق تُدعى ألوين (Alvin). وهكذا أصبحوا أوائل البشر الّذين يشاهدون عن قرب حطام السّفينة الأسطوريّة، في مغامرة وثّقتها ناشيونال جيوغرافيك بفيلم خاصّ. وباستخدام غوّاصات آليّة إضافيّة تمكّنوا أيضًا من التّصوير داخل السّفينة، واكتشاف مشاهد مدهشة، مثل الثّريّات التي ما زالت تتأرجح من سقف قاعة الطّعام.

עד כה נמשו אלפי פריטים מהטיטאניק, רבים מהם מוצגים לציבור. כלי אוכל מהאנייה וכמה גושי פחם ממחסניה מוצגים במוזיאון הספינות הטרופות בצ'רלסטון שבאנגליה | צילום: Nilfanion, Wikipedia
حتّى الآن تمّ انتشال آلاف القطع من التيتانيك، ويُعرض العديد منها للجمهور. من بين هذه المعروضات أدوات مائدة من السّفينة وعدّة قطع من الفحم من مخازنها، وهي معروضة في متحف حطام السّفن في تشارلستون بإنجلترا | تصوير: Nilfanion، ويكيبيديا

في عام 1987، عاد الباحثون الفرنسيّون إلى السّفينة ضمن بعثة مموّلة من مستثمرين أمريكيّين. أجروا العديد من الغطسات باستخدام غوّاصات مأهولة وغير مأهولة، كما رفعوا من البحر مئات القطع من السّفينة ومحيطها، ما أثار استياء بلارد وباحثين آخرين كانوا يرغبون في الحفاظ على السّفينة كموقع تذكاريّ للضّحايا. أسّس مموّلو البعثة شركة RMS Titanic، التي موّلت لاحقًا بعثات إضافيّة، وحتّى الآن تمّ انتشال أكثر من 5500 قطعة من السّفينة، يُعرض العديد منها للجمهور في معارض دائمة أو متنقّلة حول العالم. في عام 1996، حاولت الشّركة انتشال جزء من جدار اثنين من مقصورات الدّرجة الأولى، الّتي انكسرت على الأرجح عند اصطدامها بقاع البحر. كان حجم الجزء عدة أمتار ووزنه 11 طنًّا، ويحتوي على أربع نوافذ، ثلاث منها لا تزال مزوّدة بالزّجاج. رُفع الجدار باستخدام بالونات مربوطة به ومضخّة، لكنّه عند وصوله إلى عمق حوالي 60 مترًا انفصل وسقط مرّة أخرى إلى القاع. بعد عامين، نجحت الشّركة أخيرًا في انتشاله، ونُقل الجزء إلى جامعة أريزونا لإجراء البحوث، ثمّ إلى عرض دائم في فندق بلاس فيغاس.

في عام 1991، غاصت فرق روسيّة إلى حطام التيتانيك باستخدام غوّاصات أعماق خاصّة، في سلسلة غطسات أسفرت عن فيلم وثائقيّ مميّز عن السّفينة. بعد أربع سنوات، عاد الرّوس إلى التيتانيك، هذه المرّة مع المخرج جيمس كاميرون، الّذي استخدم الموادّ المصوّرة في غطسته وغوّاصات أسلافه لإعادة بناء السّفينة في الفيلم الهوليووديّ الصّادر عام 1997، والّذي حقّق نجاحًا كبيرًا وفاز بـ 11 جائزة أوسكار.

ربّما تكون هذه السّفينة الغارقة هي الأكثر دراسة في العالم. فيديو يوضح كيفيّة إنشاء نموذج ثلاثيّ الأبعاد لحطام التيتانيك.

النّهاية البكتيريّة

ظلّت مسألة ملكيّة حطام التيتانيك في صميم صراعات قانونيّة مطوّلة، زادتها تعقيدًا حقيقةُ غرق السّفينة في المياه الدّوليّة. ونتيجة لذلك، لا توفّر تشريعات أيّة دولة بعينها حماية رسميّة لبقاياها. وفي الوقت الّذي تسعى فيه الاتّفاقيّات والمعاهدات الدّوليّة والتّرتيبات بين الدّول إلى تأمين الحطام والحفاظ عليه، أيّدت محاكم في الولايات المتّحدة الأميريكيّة في نهاية المطاف حقّ شركة RMS Titanic في حيازة القطع الأثريّة الّتي انتشلتها، بل وبيعها، مع فرض قيود صارمة تهدف إلى ضمان الصّيانة الملائمة لها، سواء لدى المالك الحاليّ أو المشترين الجدد. يجري تداول العديد من هذه القطع حاليًّا في المزادات العلنيّة، وعلى المواقع الإلكترونيّة، وبوسائل أخرى. ولعلّ أشهر هذه المقتنيات هي كمان أحد عازفي الفرقة الموسيقيّة، الّذي انتُشل من البحر في حالة جيّدة نسبيًّا بالنّسبة لآلة خشبيّة قضت عقودًا في قاع المحيط، وبيع في عام 2006 مقابل 1.7 مليون دولار أميريكيّ.

تستمرّ عمليّات الغوص إلى حطام التيتانيك حتّى يومنا هذا بواسطة غوّاصات خاصّة، بل ويمكن للسّياح الأفراد معاينة البقايا عن كثب مقابل بضعة عشرات الآلاف من الدّولارات للغطسة الواحدة. غير أنّ هذا التّوجّه لا ينفي وجود مخاطر كامنة، فقبل نحو عامين، تعرّضت إحدى هذه الغوّاصات السّياحيّة للغرق، ممّا أودى بحياة ركّابها الخمسة. وقد تبيّن لاحقًا أنّ الغوّاصة، الّتي أُطلق عليها اسم “تيتان” (Titan)، كانت قد شُيِّدت من موادّ مبتكرة، تحديدًا التّيتانيوم وألياف الكربون، ما أثار شكوكًا ومخاوف جدّيّة حول سلامتها حتّى قبل وقوع الحادثة المميتة، كما أنّها لم تكن حاصلة على التّراخيص والموافقات اللّازمة لإجراء مثل هذه الغطسات.

تستمرّ قصّة التيتانيك في إثارة اهتمام الكثيرين حتّى اليوم، بعد مرور أكثر من مئة عام على غرقها الفخم. ويتناول قصّتها ومصيرها عدد لا يحصى من الكتب والأفلام والمواقع الإلكترونيّة، بعضها من منظور وثائقيّ وبحثيّ، والبعض الآخر من زوايا خياليّة.

المعلومات الكثيرة الّتي جُمعت على مرّ السّنين من حطام السّفينة التّاريخيّة استُخدمت أيضًا لأبحاث واسعة النّطاق، ليس فقط لدراسة عمليّات التّحلّل أو حفظ الموادّ المختلفة، بل حتّى لأبحاث بيولوجيّة، ففي عام 2010 تمّ اكتشاف نوع جديد من البكتيريا القادرة على تحليل الصّدأ، والّتي تتغذّى على بقايا السّفينة، وقد أُطلق على هذا النّوع الاسم المناسب Halomonas titanicae، ويقدّر الباحثون أنّ نشاطه قد يؤدّي إلى انهيار مقدّمة السفينة خلال بضع سنوات. هذا يبرز حقيقة علاقة القوى على كوكبنا: الإنسان قادر على تحقيق إنجازات مذهلة، لكنّ الطّبيعة هي الّتي تقول الكلمة الأخيرة.

Additional content that may interest you

الكيميائيّ الّذي صمّم دورق التجارب

ذاع صيت إميل إيرل نيماير، الّذي مرّت مئتا سنة على مولده، خاصّةً بفضل دورق تجارب المختبر الّذي اخترعه، لكنّه لعب أيضًا دورًا مركزيًّا في تطوّر الكيمياء الحديثة

calendar 10.12.2025
reading-time 8 دقائق

التقنيّة العلميّة الّتي غيّرت العالم

إنّ طريقة الـ PCR الّتي طوّرها عالم الكيمياء الحيويّة كاري موليس منذ حوالي أربعين عامًا، أثّرت في كلّ مناحي حياتنا

calendar 2.12.2023
reading-time 7 دقائق

السّفينة الأشهر في التّاريخ

لماذا اعتُبرت “تيتانيك” سفينة لا يمكن أن تغرق؟ وما الّذي أدّى إلى غرقها خلال رحلتها الأولى عام 1912؟ ولماذا كان من الصّعب العثور على حطامها؟ كيف تمكّن الباحثون في النّهاية من الوصول إليه، وما كان مصيره؟ في الذّكرى الأربعين لاكتشاف حطام سفينة الفخامة الأسطوريّة، نسلّط الضّوء على قصّتها، من منظور تاريخيّ وعلميّ معًا.

calendar 10.2.2026
reading-time 23 دقائق