فطر عرف الأسد
تستند الكثير من المستحضرات والمكمّلات الغذائيّة إلى فطر يُسمّى "عرف الأسد"، ودائمًا ما نسمع أن له فوائد بعيدة المدى. فهل هذا صحيح؟
في معظم المتاجر الّتي تبيع المنتجات الطّبيعيّة اليوم، تجد مكمّلات غذائيّة مصنوعة من فطر عرف الأسد (Hericium erinaceus)، والّتي يعدُ بعضها بفوائد مبهرة مثل تحسين الذّاكرة، تقوية جهاز المناعة، حتّى الحماية من مرض ألزهايمر. كما تطفح شبكة الإنترنت بادّعاءات عن الخصائص الطّبّيّة لهذا الفطر، لكن ما الّذي يقوله عالَم البحث العلميّ فعليًّا؟ هل توجد أدلّة علميّة على الاستخدام الطّبّيّ لهذا الفطر، أم أنّ الأمر لا يتعدّى كونه موضة مبنيّة على التّمنّيات أكثر ممّا هي على الحقائق؟
لقد خضع الفطر ومكوّناته لدراسة واسعة: أكثر من مئتي دراسة حول هذا الموضوع نُشرت خلال السّنوات الخمس الماضية وحدها. السّبب في ذلك هو وجود مركّبين ذوي نشاط بيولوجيّ فيه: الهيريسينون (hericenone) والإيريناسين (erinacine)، اللّذين أظهرا، أساسًا في دراسات على مزارع خلويّة أو على حيوانات، قدرةً محتملة مضادّة للسّرطان أو تأثيرًا ممكنًا على الجهاز العصبيّ.
“إنّ جسم الإنسان هو مجرّة من تريليونات الخلايا الّتي تتفاعل بعضها مع بعض، ومع الكائنات الدّقيقة الّتي تعيش داخلنا، وهي الميكروبيوم الخاصّ بنا”، يقول نيكولاس ماني (Nicholas Money)، باحث فطريّات في جامعة ميامي في أوهايو، والّذي نشر عام 2016 مراجعةً حول الفطريّات الطّبّيّة، في مقابلة مع صحيفة “الغارديان”. “إنّ الدّراسات الأوّليّة على الخلايا والحيوانات تشكّل نقطة انطلاق مثيرة، لكن القفز إلى استنتاجات من التّأثيرات الّتي لوحظت في خلايا بشريّة مزروعة في المختبر، إلى علاج أمراض خطيرة هو أمر غير معقول”.
في معظم المتاجر الّتي تبيع المنتجات الطّبيعيّة اليوم، تجد مكمّلات غذائيّة مصنوعة من فطر عرف الأسد. فطر عرف الأسد كاملًا وفي كبسولات | vetre, Shutterstock
أبحاث قليلة، وأدلّة ضعيفة
تُقدَّم بعض المكمّلات الغذائيّة المحتوية على فطر عرف الأسد كعلاج محتمَل لمجموعة واسعة من الحالات، بدءًا من السّكّري ووصولًا إلى السّرطان. غير أنّ التّجارب السّريريّة على البشر الخاضعة للرّقابة الّتي أجريت في إطار الدراسات عنه، كانت ضئيلة للغاية، وحتّى تلك الدّراسات كانت قد ركّزت بشكل رئيسيّ على التّأثير المحتمل في الوظائف الإدراكيّة أو أمراض الجهاز العصبيّ فقط. ورغم أنّ خلاصات بعض هذه الأبحاث قد تبدو مثيرة، إلّا أنّ النّتائج الفعليّة بعيدة عن دعم الادّعاءات الواسعة بشأن فائدته الحقيقيّة.
في دراسة تدخّليّة أُجريت عام 2008، وشملت 15 مشاركًا فقط في مجموعة التّدخّل، وُجد أنّ استهلاك الفطر قد يحسّن الأداء الإدراكيّ لدى مسنّين شُخّصوا بتراجع إدراكيّ طفيف. شارك في الدّراسة 29 شخصًا طُلب منهم تناول أربع حبوب (250 ملغ) ثلاث مرّات يوميًّا على مدار 16 أسبوعًا. بعض المشاركين تلقّوا الحبوب الّتي تحتوي على الفطر وبعضهم تلقّى علاجًا وهميًّا (بلاسيبو). تحسّنَ المعدّل الوسطيّ لنتائج المشاركين في اختبار تقييم الوظائف الإدراكيّة في كلا المجموعتين، لكن بدرجة أكبر عند مَنْ تناولوا الفطر.
بعد أربعة أسابيع من إيقاف العلاج، خضع المشاركون لاختبار جديد، وتبيّن أنّ التّأثير قد اختفى؛ إذ انخفض معدّل المجموعة الّتي تناولت الفطر ليعود إلى مستواه الأوّليّ. في المقابل، استمرّ معدّل مجموعة البلاسيبو في التّحسّن. هذه النّتائج تشير إلى أنّ مصدر التّأثير قد يكون في التّعرّض المتكرّر لاختبارات التّقييم الإدراكيّ، أو أنّ قياس الوظائف الإدراكيّة، كما جرى في هذه الدّراسة، يتّسم بتذبذب كبير. على أيّ حال، لا يمكن الاستنتاج من هذه الدّراسة أنّ استهلاك الفطر قادر على منع أمراض الجهاز العصبيّ.
في واحدة من أطول الدّراسات التي أُجريت، 49 مشاركًا (أكمل منهم 41 فقط) في المراحل المبكّرة من ألزهايمر، تلقّوا بشكل عشوائيّ نحو 5 ملغ من المادّة الفعّالة إيريناسين أو بلاسيبو، وذلك لمدّة 49 أسبوعًا. خضع المشاركون لسلسلة من الاختبارات في بداية الدّراسة وفي ثلاث نقاط زمنيّة أخرى حتّى نهايتها. بعد تحليل النّتائج لم يُعثر على تحسّن في الأعراض السّلوكيّة المرتبطة بالخَرَف، مثل العدوانيّة أو القلق أو الاكتئاب، ولا في القدرات الإدراكيّة مثل الذّاكرة والانتباه واللّغة. ظهر تفوّق واضح لصالح مجموعة العلاج في مؤشّر واحد فقط مقارنة بالبلاسيبو، لكن من غير الواضح إن كانت لهذا الفرق أيّة أهمّيّة سريريّة.
خلاصات بعض هذه الأبحاث قد تبدو مثيرة، إلّا أنّ النتائج الفعليّة بعيدة عن دعم الادّعاءات الواسعة بشأن فائدته الحقيقيّة. اِمرأة تخضع لاختبار لتقييم القدرة الإدراكيّة | Microgen, Shutterstock
اِدّعاءات غير قائمة على أيّ أساس
إذًا، فالأبحاث حول التّأثير الإدراكيّ للفطر لم تُظهر تحسّنًا لدى مرضى الأمراض التّنكّسيّة العصبيّة. كما أنّ النّتائج بعيدة عن أن تكون قاطعة أو مؤكّدة. بناءً على المعطيات المتاحة حاليًّا، يبدو أنّ الادّعاءات بقدرة الفطر أو مكوّناته على منع التّدهور الإدراكيّ أو تحسين حالة مَنْ يعانون منه غير مدعومة علميًّا، حتّى أكثر النّتائج “المبشّرة”، الّتي أظهرت تحسّنًا في مؤشر محدّد واحد، تعتمد على دراسات صغيرة ومحدودة.
في مقابلة مع “الغارديان” أشار نيكولاس ماني أيضًا إلى أنّ بعض الادّعاءات المتداولة مؤخّرًا بشأن الفطريّات الطّبّيّة “تفتقر إلى الأساس العلميّ ولا تزيد على كونها طبًّا شعبيًّا”. لكنّه أضاف: “للفطريّات علاقات كيميائيّة غنيّة مع كائنات أخرى في بيئتها، وأنا على يقين بأنّها تحتوي بعد على الكثير من المركّبات المفيدة. علينا أن نحرص على استخدام أساليب علميّة متقدّمة لتحديد أيّها قد يكون فعّالًا فعلًا في التّخفيف من أمراض البشر أو علاجها”.
ورغم أنّ النّتائج حتّى الآن لا تشير إلى فائدة واضحة، فمن غير المرجّح أن يتوقّف البحث في هذا الفطر. السّبب الرّئيسيّ لذلك هو أنّه لا توجد اليوم علاجات فعّالة يمكن أن تساعد مرضى الأمراض التّنكّسيّة العصبيّة، أو حتّى أن تُبطئ تدهور حالتهم، ما يقود إلى بحث دائم عن حلول محتملة.
إلى جانب ذلك، فإنّ هذا سوق ضخم ذو إمكانات ربحيّة هائلة، ما يشجّع على استمرار البحث حتّى لو كانت النّتائج غير حاسمة. غالبًا ما يُنظر إلى البحث في فطر طبيعي ّعلى أنّه خيار أسهل وأرخص من تطوير أدوية جديدة تتطلّب عمليّات مطوّلة ومعقّدة ومكلفة. إضافة إلى ذلك، قد تشكّل النّتائج الأوّليّة أساسًا لأبحاث مستقبليّة تبحث عن آليّات جديدة، أو توليفات مع علاجات أخرى، أو طرق لتحسين التّوافر البيولوجيّ للمكوّنات الفعّالة، وهو ما يضمن استمرار الاهتمام العلميّ والتّجاريّ بالموضوع.
مع ذلك، وحتّى الآن، لا توجد أدلّة على أنّ الفطر أو مركّباته الفعّالة قادران على منع أمراض أو علاجها عند الإنسان. يجب التّعامل بحذر مع المنشورات الّتي تقدّمه كعلاج مثبت، إذ إنّها ادّعاءات لا تقوم على أبحاث علميّة راسخة.