متوسّط العمر في جميع أنحاء العالم آخذ في الارتفاع. ومن الواضح أنّ هذا تطوّر مبارك، لكنّه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشيخوخة السُّكّان. من وجهة نظر اقتصاديّة، فإنّ كبر السّنّ يعني المزيد من الإصابة بالأمراض، وهو ما يشكل عبئًا على نظام الرّعاية الصّحّيّة. تشير الدّراسات إلى أنّ حوالَي نصف حالات الإصابة بالمرض بين عامّة السُّكّان تقع بين الرّجال والنّساء، الّذين يبلغون من العمر 60 عامًا فما فوق؛ ووفقًا لاستطلاعات وزارة الصّحّة الإسرائيليّة، كانت هناك زيادة بنسبة سبعة في المائة تقريبا في نسبة الأشخاص، الّذين يعانون من أمراض مزمنة عديدة في السّنوات 2014-2015، مقارنةً بالعقد الّذي سبقه.
دفع هذا الوضع الباحثين الّذين يتعاملون مع الطّبّ والشّيخوخة، إلى البحث عن طرق لتقليل عبء المرض وتحسين صحّة الكبار في السّنّ، وبشكل أساسيّ طرق من النّوع المعروف في الأبحاث باسم “التّدخّل” – أي تغييرات سلوكيّة الّتي يُمكِن اعتمادها نسبيًّا بسهولة. ووجد أنّ التّحوّل إلى نظام غذائيّ عالي الجودة هو تدخّل قد يؤدّي إلى شيخوخة أكثر صحّيّة.
في السّنوات الأخيرة، نُشِرت المزيد والمزيد من الدّراسات الّتي تتناول الآثار الصّحّيّة للنّظام الغذائيّ الخضريّ، وتوصي هيئات مثل جمعيّة الحمية الأمريكيّة بالنّظام الغذائيّ الخضريّ، كنمط غذائيّ قد يحسِّن الصّحّة، طالما تمّ التّعامل معه بشكل صحيح.
أي أنّه طالما أنّك تستهلك جميع العناصر الغذائيّة – البروتينات، الكربوهيدرات والدّهون – بكمّيّات تتوافق مع توصيات المنظّمات الصّحّيّة، ننتبه إلى الوزن ونتناول المكملات الغذائيّة (فيتامين ب12 مثلًا) إذا لزم الأمر.

توصي هيئات مثل جمعيّة الحمية الأمريكيّة بالنّظام الغذائيّ الخضريّ كنمط غذائيّ قد يفيد الصّحّة، طالما يتمّ التّعامل معه بشكل صحيح. طعام نباتيّ في سوبر ماركت | Victor de Schwanberg / Science Photo Library
علمُ التَّخَلُّق لدى الشّباب
قبل ذلك، علينا العودة إلى سؤال أساسيّ آخر. ما هي العلاقة في الواقع بين الشّيخوخة والتّغذية بشكل عامّ والخضريّة بشكل خاصّ؟ تشير دراسة جديدة إلى أنّ النّظام الغذائيّ الخضريّ، قد يطيل العمر مقارنةً بالنّظام الغذائيّ الّذي يتضمَّن الأطعمة الحيوانيّة، وقد يفعل ذلك من خلال التّأثير اللّاجينيّ – التّغيّرات في وظيفة الجينات الّتي تؤثّر على طريقة التّعبير عنها، أي إلى أي مدى ومتى وأين تُصنَّع البروتينات وفقًا لهذه الجينات، دون تغيير البنية الجينيّة نفسها.
قيّم الباحثون في الدراسة الشّيخوخة البيولوجيّة، من خلال فحص المثيلة في خلايا الجسم: وهي عمليّة يُضاف فيها مركّب يُسمّى الميثيل، يتكوّن من ذرّة كربون وثلاث ذرّات هيدروجين، في أماكن معيّنة في الحمض النّوويّ. نتيجةً لعمليّة المثيلة، يتمّ “إسكات” أو زيادة نشاط بعض الجينات. تتكرّر عمليّة المثيلة بوتيرة أعلى مع زيادة عمر الخليّة، لذلك عند النّظر إلى كمّيّة المثيلة، يُمكِن تقدير شيخوخة الخليّة – والّتي قد تكون أسرع أو أبطأ من المتوسّط، وبالتّالي تُظهِر “عمرًا” مختلفًا عن عمر الشّخص.
استغرقت الدّراسة ثمانية أسابيع، وشارك فيها 21 زوجًا من التّوائم المتطابقة، الذين جُنِّدوا باستخدام قواعد البيانات. وكان متوسّط عمر المشاركين 39 عامًا، بحيث كانوا يتمتّعون بصحّة جيّدة عامّةً. طُلب من أحد التّوائم من كلّ زوج الالتزام بنظام غذائيّ خضريّ والآخر بنظام غذائيّ آكل اللّحوم، بطريقة اختيار عشوائيّة. تتكوّن الدّراسة من مرحلتين، تستمرّ كلّ منهما أربعة أسابيع.
في المرحلة الأولى، تلقّى المشاركون وجبات جاهزة، وفي المرحلة الثّانية كان عليهم إعداد طعامهم بأنفسهم، وفقًا لإرشادات غذائيّة محدّدة. طوال فترة الدراسة، تلقّى المشارِكون إرشادات بشأن السّلوك الغذائيّ الصّحّيّ. أُخِذَت عيّنات الدّم منهم في بداية الدّراسة وفي نهايتها، لتقييم الشّيخوخة البيولوجيّة.
لدى أفراد المجموعة الّذين اتّبعوا نظامًا غذائيًّا خضريًّا، سُجِّلَ انخفاض في العمر البيولوجيّ (كما ذكرنا، وفقًا لمستوى المثيلة) في خمسة مراكز مختلفة في الجسم: جهاز المناعة، القلب، الجهاز الهرمونيّ والجهاز الهضميّ. الكبد والتّمثيل الغذائيّ. في المقابل، في أعضاء المجموعة النَّهمة، لم يُعثَر على أيّ تغيير بين حالتهم قبل بدء الدّراسة وحالتهم في النّهاية. تتوافق النّتائج المتعلّقة بالتّحسينات اللاجينيّة المحتمّلة مع نتائج دراسات أُخرى، وخاصّة الدّراسات الرّصديّة، الّتي تربط النّظام الغذائيّ الخضريّ بتحسين الصّحّة، لكن قبل أن نتوّج الخضريّة بعنوان “ينبوع الشّباب”، دعونا نولّي بعض الاهتمام لجوانب أُخرى من هذه الدّراسة.

استغرقت الدّراسة ثمانية أسابيع، وشارك فيها 21 زوجًا من التّوائم المتطابقة الّذين جُنِّدوا باستخدام قواعد البيانات. مسار البحث من المقال، Dwaraka, V.B. et al., BMC Med 22, 301 2024
هل الأصغر سنًّا هو أكثر صحّةً؟
تكمن قوّة الدّراسة في التّدخّل نفسه، وفي التّركيز على التّوائم المُتطابِقة – بحيث كان المشاركون في الدّراسة بمثابة مجموعة مراقبة لإخوتهم، ممّا أدّى على ما يبدو إلى تحييد تأثير المتغيّرات الجينيّة المحتملة. مع ذلك، كانت العيّنة صغيرة، وكان التّدخّل قصيرًا وليس متواصِلًا. بدون متابعة، لا يمكن استنتاج ما إذا كانت هذه تغييرات لحظيّة أم تغييرات ستستمرّ بمرور الوقت.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ أهمّيّة التّغيرات اللّاجينيّة الّتي تمّ العثور عليها ليست واضحةً تمامًا. قد وجدت الدّراسات السّابقة بالفعل وجود صلة بين بعض المؤشّرات الّتي تمّ اختبارها والصّحّة، ولكن هناك أيضًا نتائج مختلطة فيما يتعلّق بارتباطها بأنواع مختلفة من السّرطان. وبشكل عامّ، فإنّ العلاقة بين المثيلة الّتي كانت محور البحث الحاليّ والمؤشّرات الصّحّيّة أقلّ وضوحًا، ممّا يميل النّاس إلى الاعتقاد به.
علاوةً على ذلك، لاحظ الباحثون أنّه بين المجموعة الخضريّة، عُثِر على تغييرات لاجينيّة معروفة بأنّها تزيد من خطر الإصابة بمرض السُّكّريّ، إلى جانب تغييرات أُخرى وجد أنّها مرتبطة بالفعل بانخفاض خطر الإصابة بالسّكّريّ. على الرّغم من أنّ هذه النّتيجة تتناقض مع النّتائج الحاليّة للدّراسات الرّصديّة الكبيرة، والّتي أظهرت أنّ النّظام الغذائيّ الخضريّ يقلّل من خطر الإصابة بمرض السّكّريّ، فإنّه يسلّط الضّوء أيضًا على صعوبة التّوصّل إلى استنتاجات قاطعة، فيما يتعلّق بالتّأثيرات اللّاجينيّة المحتملة للنّظام الغذائيّ.
إضافةً إلى ذلك، يبدو أنّ الاختلافات بين النّظام الغذائيّ للمجموعة الخضريّة – لغرض الدّراسة – والنظام الغذائيّ للحيوانات آكلة اللّحوم كانت واسعةَ النّطاق: فقد وجدت اختلافات بين المجموعتَيْن في استهلاك أنواع مختلفة من الدّهون، في الاستهلاك العامّ للخضراوات وكمّيّة الألياف الغذائيّة. هذه الاختلافات العديدة تتحدّى الاستنتاج القائل بإنّ النّتائج تنشأ بالضّرورة من تجنّب الأطعمة الحيوانيّة. علاوةً على ذلك، في الماضي، نُسبَت تأثيرات صحّيّة مماثلة بالفعل إلى الأنظمة الغذائيّة الّتي تحتوي على أغذية حيوانيّة، إلى جانب بعض الأطعمة بكمّيّات كبيرة، مثل حمية البحر الأبيض المتوسّط ونظام DASH الغذائيّ.

تشير دراسة جديدة إلى أنّ النظام الغذائيّ الخضريّ قد يطيل العمر مقارنةً بالنّظام الغذائيّ الّذي يتضمّن الأطعمة الحيوانيّة، وقد يفعل ذلك من خلال تأثير جينيّ. أنواع التّغيّرات اللّاجينيّة | ويكيميديا، ational Institutes of Health
أخضريّ؟ أو بكل بساطة صحّيّ!
استجاب المشارِكون مِمَّن طُلب منهم اتّباع أسلوب حياة خضريّ للتّعليمات، أكثر من المشاركين في المجموعة الثانية، الّذين كانوا أقلّ حرصًا على الالتزام بالتّوصيات الغذائيّة الّتي تلقّوها. من الواضح أنّ هذه ميزة أُخرى للخضريّة، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّه قد يكون هناك تحيّز في الاختيار هُنا: جُنِّد بعض الأشخاص للدّراسة بعد التّعبير عن اهتمامهم بفيلم وثائقيّ يتعلّق بالخضريّة.
إذا كان هذا هو الحال بالفعل، فإنّه يُمكن أن يفسّر رغبة أغلبيّة واضحة (90 في المائة) من الخضريّين، لأغراض البحث في الاستمرار في جوانب معيّنة من النّظام الغذائيّ الخضريّ والاستمرار فيه، مقارنةً بـ 60 في المائة فقط من المشاركين في المجموعة الأُخرى. مع ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت المجموعة النَّهمة بمثابة مجموعة مراقبة ناجحة. ومن المحتمل أنّ صعوبة الالتزام بالتّوصيات الغذائيّة الّتي تلقوها، قد دفعتهم إلى تناول أطعمة أُخرى أقلّ صحّيّة. مثل هذا السيناريو يمكن أن يفسر، إلى حدٍ ما، لماذا لم يفقد آكلو اللّحوم الوزنَ، بل إنّ بعضهم زاد وزنه.
بعد ذلك، خفض المشاركون في المجموعة الخضريّة ما يقرب من ثلاثة في المائة من وزن الجسم في المعدل؛ قد يفسّر فقدان الوزن في حدّ ذاته جزءًا كبيرًا من التّغييرات الإيجابيّة. كما لا توجد إشارة إلى التّغييرات المحتملة في عادات الأشخاص – في سياق النّشاط البدني وبشكل عامّ – الّتي قد تؤثّر على صحّتهم.
لا توجد الكثير من الدّراسات الّتي تأخذ في الاعتبار تأثير فقدان الوزن على المؤشّرات الصّحّيّة بشكل عامّ، وأيضًا على المؤشّرات الّتي كانت محور الدّراسة الحاليّة بشكل خاصّ. وبدون هذه المعلومات، من الصّعب تقييم ما إذا كان النّظام الغذائيّ الخضريّ نفسه مليئًا بالفوائد الصّحّيّة، أو ما إذا كانت الفوائد الصّحّيّة تأتي جرّاء فقدان الوزن. هناك دليل على وجود علاقة بين جودة النّظام الغذائيّ، بغضّ النّظر عن طبيعته والعمر البيولوجيّ، خاصّةً إذا تمّ تغذية المشاركين بشكل أقلّ جودة قبل التّدخّل.

فقد المشاركون في المجموعة الخضريّة ما يقرب من ثلاثة في المائة من وزن الجسم في المعدّل، وهو ما قد يفسّر الكثير من التّغييرات الإيجابيّة. امرأة تأكل سلطة | Shutterstock, Jukov studio
السّؤال ما زال مفتوحًا
ليس هناك جدل في أنّ اتّباع نظام غذائيّ خضريّ يُدارَ بشكل صحيح قد يفيد الصّحّة. ولا يزال السّؤال حول ما إذا كان من الممكن أن “يجدّد شبابنا” معلّقًا، لكن هذه الدّراسة لا تجيب عنه بوضوح نظرًا لقيوده. هناك حاجة إلى دراسات أطول، تشمل عددًا أكبر من المشاركين وتستند إلى مجموعة بحثيّة أكثر دقّة، لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال. وفي الوقت نفسه، فإنّ أولئك الذين يختارون نظامًا غذائيًّا نباتيًّا لأسباب أيديولوجيّة يمكنهم بالتّأكيد أن ينسبوا إليه تأثيرًا إيجابيًّا على الصّحّة، حتّى لو لم يكن بالضّبط “ينبوع الشّباب”.
على الهامش، من المهمّ أن نتذكّر أنّ الأطعمة المصنّعة ومنخفضة الجودة – على سبيل المثال، رقائق البطاطس المقلية والتوفو المقلي- يمكن أن تلبي تعريف “الخضريّة”، خاصّةً إذا كان الدّافع لقيادة نمط حياة خضريّ لا ينبع من اعتبارات صحّيّة. قد يؤدّي استهلاك الأطعمة المصنّعة إلى تقليل الآثار المفيدة للخضريّة، كما يؤدّي أيضًا إلى نقص تغذية غير صحّيّ، بل وخطير، على المدى الطّويل.
لذلك ربّما لا يكون الاختيار بين النّظام الخضريّ وأكل اللّحوم هو الأمر الأساسيّ، ومن الأفضل فحص كلّ وجبة على حِدة – بهدف أن تكون ذات جودة عالية وطازجة ومتنوّعة، وأن تحتوي على جميع القيم الغذائيّة الموصى بها.