رغم أنّ الشتاء لا يزال في أوجه، إلّا أنّ مشاهد الطبيعة تحمل بشائر التغيير. تبدأ أشجار اللوز بالتفتّح مبشّرة ببداية فصل الربيع. والأسواق والمتاجر مليئة بتشكيلة واسعة من الفواكه الجافّة والمجفّفة. في طفولتي، كان لهذا الموسم طابع احتفاليّ خاصّ، حيث كانت المنازل مليئة بالفواكه المجفّفة بمختلف أنواعها، بما في ذلك الفواكه الّتي لم نكن نحبّها. حيث كان كلّ طفل يحصل على كيس مليء بكلّ ما لذّ وطاب، وتستمرّ الفواكه اللّذيذة في مرافقتنا لفترة طويلة بعد الاحتفال.
في الماضي، كان الوصول إلى الفواكه الطازجة محدودًا في مناطق كثيرة من أوروبا. لذلك، أصبح تناول الفواكه المجفّفة في هذا الوقت من العام تقليدًا راسخًا، يُعبّر عن التحوّل الموسميّ واقتراب الربيع. كان يتمّ الاحتفال بالانتقال بين الفصول باستخدام الفواكه المجفّفة، مع تفضيل الفواكه الّتي تنمو في منطقة بلاد الشام. هذا التقليد لا يزال قائمًا حتّى يومنا هذا، مع جميع الأطعمة المرافقة له، إلّا أنّ الوضع قد تغيّر حاليًّا وأصبحت معظم الفواكه المجفّفة مستوردة. في هذا السياق، سنتناول في هذا المقال نظرة أقرب إلى عمليّة تجفيف الفواكه، كيف تتمّ؟ ولكن أوّلًا، إليكم الوصفة. وهذه المرّة، غرانولا غنيّة بالفواكه المجفّفة.

المشمش المجفّف، الزبيب، البرقوق المجفّف، التّين المجفّف وغيرها. مجموعة متنوّعة من الفواكه المجفّفة | Sokor Space, Shutterstock
ما الّذي نحتاج إليه؟
- 4 أكواب من الشوفان الكامل.
- كوب ونصف من المكسّرات و/أو البذور.
- ¾ ملعقة صغيرة من الملح.
- ½ ملعقة صغيرة من القرفة المطحونة.
- ½ كوب من زيت جوز الهند أو زيت الزيتون.
- ½ كوب من شراب القيقب (ميبل) أو العسل الطبيعيّ.
- 1 ملعقة صغيرة من مستخلص الفانيليا.
- ⅔ كوب من الفواكه المجففة، تُقطّع إلى قطع صغيرة في حال كانت كبيرة الحجم.
ماذا نفعل؟
- سخِّنوا الفرن إلى درجة حرارة 180 مئويّة، وَضَعُوا ورق الخَبز على صينيّة الفرن.
- في وعاء كبير، امزجوا الشوفان، المكسّرات و/أو البذور، الملح، والقرفة. أضيفوا الزيت، شراب القيقب أو العسل، ومستخلص الفانيليا. قَلِّبوا المزيج جيّدًا حتّى تتغطّى جميع المكوّنات بشكل متساوٍ. انقلوا الخليط إلى صينيّة الفرن وافردوه باستخدام ملعقة كبيرة ليشكّل طبقة متجانسة قدر الإمكان.
- اِخبزوا الخليط حتّى يصبح لونه ذهبيًّا خفيفًا (حوالي 20 إلى 25 دقيقة). قوموا بتقليب الخليط بين الحين والآخر لضمان توزيعه بشكل متساوٍ وتجنّب الاحتراق.
- اتركوا الغرانولا لتبرد تمامًا، ثم كسّروها إلى قطع بالحجم المطلوب.
- خزِّنوا الغرانولا في وعاء محكم الإغلاق في درجة حرارة الغرفة لمدّة أسبوع إلى أسبوعين، أو في كيس مفرَّغ من الهواء داخل المجمِّد (الفريزر) لمدّة تصل إلى ثلاثة أشهر. عند استخدام الغرانولا المجمّدة، يُفضّل إخراجها من الفريزر قبل التقديم بـ 5 إلى 10 دقائق، للسماح للفواكه المجففة بالعودة إلى درجة حرارة الغرفة.

وجبة خفيفة لذيذة ومشبِعة: وعاء غرانولا يحوي وي بذورًا، مكسّرات وفواكه مجفّفة. | nadianb, Shutterstock
والآن إلى الجانب العلميّ
الفواكه الطازجة تفسد بسرعة نسبيًّا بسبب احتوائها على نسبة عالية من الماء- أكثر من 80٪. يُعدّ التجفيف من أقدم الطرق المستخدمة لحفظ الأغذية بشكل عامّ والفواكه بشكل خاصّ. إذ يُسهم في تقليل ما يُعرف بـ “نشاط الماء” (Water Activity)، وهو أحد العوامل الأساسيّة في تحديد مدّة صلاحيّة المنتجات الغذائيّة وله دور محوريّ في تطوير وتحسين جودتها. يمكن تحديد كميّة الماء في الغذاء بسهولة نسبيّة، إمّا من خلال تجفيف العيّنة وقياس انخفاض وزنها، أو بحساب محتوى الماء في كلّ مكوّن من مكوّنات المنتج. ومع ذلك، فإنّ هذه المعطيات لا تكفي لتقدير مدّة الصلاحيّة بشكل دقيق؛ بل من الضروريّ معرفة كميّة الماء “المتاح” أو “الفعّال” في المنتج. فما المقصود بالماء المتاح؟
عندما نغمر إسفنجة جافّة في كوب ماء، ينتقل الماء من الكوب إلى داخل الإسفنجة. في هذه الحالة، يكون الماء في الكوب حرّ الحركة، في حين يكون الماء داخل الإسفنجة مرتبطًا بها، ولا يمكنه مغادرتها إلّا عند تطبيق قوّة، مثل العصر. هذا النوع من الماء يُعرف بالماء المرتبط. مؤشّر نشاط الماء (Water Activity) هو مقياس لكميّة الماء المتاح (الحرّ) في المادّة الغذائيّة، وتتراوح قيمته بين 0 و1. قيمة 0 تعني أنّ جميع جزيئات الماء في المنتج الغذائيّ مرتبطة بالمكوّنات الأخرى وليست متاحة للتفاعل أو التبخّر، أما القيمة 1 تعني أنّ جميع الماء متاح. في معظم الأغذية، تقع هذه القيمة ضمن نطاق يتراوح بين 0.2 و 0.99. في الواقع، يعكس مقياس نشاط الماء مدى سهولة تبخّر الماء من منتج غذائيّ معيّن مقارنةً بسهولة تبخّر الماء النقيّ.

التأثير الواسع
تتأثّر قيمة مؤشّر نشاط الماء بعدّة عوامل. للتوضيح، إضافة الماء إلى المنتج ترفع قيمة المؤشّر، بينما إزالة الماء تقلّلها. على سبيل المثال: مؤشّر نشاط الماء في الخبز الطازج أعلى بكثير مقارنةً بفتات الخبز المحضَّر من نفس الخبز بعد تجفيفه. عامل آخر مؤثّر هو تركيبة الغذاء. عندما يحوي الطعام مكوّنات تربط جزيئات الماء، مثل السكّر أو الملح، تكون قيمة المؤشّر أقلّ. السكّر فعّال بشكل خاصّ في ربط الماء، ما يقلّل كميّة الماء المتاح، كما هو الحال في المربَّى أو الآيس كريم. الملح أيضًا يؤدّي إلى تأثير مشابه، لكنّ استخدامه محدود، لأنّ كميّات زائدة منه قد تجعل المنتج غير مستساغ لمعظم الناس.
مؤشّر نشاط الماء يلعب دورًا حاسمًا في تحديد قدرة الكائنات الحيّة الدقيقة (الميكروبات) على النموّ في الطعام. كلّما ارتفع المؤشّر، زادت أنواع الميكروبات الّتي يمكنها التكاثر فيه. أمّا عندما يكون المؤشّر أقلّ من 0.60، فإنّه يمنع بشكل شبه تامّ نموّ الخمائر، العفن، والبكتيريا. التجفيف لا يقتصر على تقليل النشاط المائيّ فحسب، بل يساهم أيضًا في إبطاء تفاعلات أخرى تؤثّر في جودة المنتج، ما يساعد في الحفاظ على قيمته الغذائيّة وخصائصه الأخرى.
كما أنّ قوام الطعام يتأثّر بمؤشّر النشاط المائيّ، على سبيل المثال، هشاشة العجينة في قاعدة فطيرة الفواكه. عندما يلامس مكوّنان يمتلكان قيمًا مختلفة لنشاط الماء، يبدأ الماء بالانتقال من المكوّن الّذي يحوي قيمة أعلى- مثل حشوة الفواكه – نحو المكوّن ذي القيمة الأدنى- مثل العجينة الهشّة. لتحسين هشاشة الفطيرة، يمكن إضافة القليل من السكّر إلى الحشوة. السكّر يقلّل من قيمة مؤشّر نشاط الماء في الحشوة، ما يجعلها أقرب إلى قيمة المؤشّر في العجينة، وبهذا يقلّ انتقال الماء إلى العجينة.
تؤثّر أيضا الرطوبة النسبيّة في الهواء في خصائص قوام الطعام. في البيئات ذات الرطوبة العالية، يميل الطعام الّذي يحوي نشاطًا مائيًّا منخفضًا إلى امتصاص الرطوبة من الهواء المحيط، ما يؤدّي إلى زيادة في قيمة النشاط المائيّ وبالتالي تغيّر قوام الطعام ليصبح أكثر ليونة. بالمقابل، في بيئات ذات رطوبة نسبيّة منخفضة، يحدث العكس تمامًا، حيث يفقد الطعام الرطوبة ما يؤدّي إلى جفافه مع مرور الوقت.

هناك العديد من طرق تجفيف الفواكه، سواء التقليديّة أو التكنولوجيّة الحديثة. على سبيل المثال، يتمّ تجفيف المشمش تحت أشعّة الشمس. | hanif66, Shutterstock
تقنيّات التجفيف التقليديّة
لنعد إلى الفواكه المجفّفة. هناك بعض الفواكه الّتي يمكن تجفيفها بالكامل، مثل العنب والمشمش والتوت. بينما يُجفّف البعض الآخر في شرائح، مثل الكيوي والبابايا والمانجو، أو إلى أنصاف، مثل الخوخ والبرقوق. من أكثر طرق التجفيف شيوعًا هي باستخدام حرارة الشمس أو في الفرن أو الهواء الساخن. في العقود الأخيرة، ظهرت تقنيّات جديدة مثل التجفيف بالتفريغ (الفراغ)، بالتجميد أو في الميكروويف.
تؤدّي عمليّة إزالة الماء إلى تغيّرات فيزيائيّة وكيميائيّة في الفاكهة. بعض هذه التغييرات يمكننا الشعور بها، مثل التغيّر في الشكل، اللّون، الطعم أو القوام، بينما البعض الآخر يظلّ غير مرئيّ للحواسّ مثل التغيير في القيم الغذائيّة أو في تركيب الميكروبات. كما أنّ طريقة التجفيف تؤثّر في هذه التغييرات، ولذلك فإنّ الفواكه الّتي يتمّ الحصول عليها في نهاية عمليّة التجفيف قد يكون لها طعم، مظهر وقيمة غذائيّة مختلفة حسب طريقة التجفيف المستخدمة.
عادةً، تتميّز الفواكه المجففة الّتي تمّ تحضيرها باستخدام طرق تجفيف بدرجة حرارة عالية، مثل التجفيف تحت الشمس أو في الفرن أو باستخدام الهواء الساخن، بقوام أكثر صلابة وكثافة. يعود ذلك إلى أنّ عمليّة التبخّر في هذه الظروف تدمّر الهيكل الخلويّ للفاكهة، ما يجعلها تتقلّص وتصبح أغمق. كما أنّ طعم هذه الفواكه يتغيّر بشكل ملحوظ، وتنخفض قيمتها الغذائية بسبب تدمير بنية الفيتامينات والمركّبات الأخرى مثل المركّبات الفيتوكيميائيّة والفلافونويدات الّتي تعتبر ذات تأثير إيجابيّ في الصحّة.
تقنيّات التجفيف المتقدّمة
تقنيّات التجفيف المتقدّمة الّتي تستخدم الفراغ، أي الشفط المستمرّ للغازات من وعاء التجفيف، تسمح بإزالة الرطوبة من الفاكهة بشكل سريع. من بين هذه التقنيّات، يُعدّ التجفيف بالتجميد هو الأكثر فعاليّة. في مرحلته الأولى، يتمّ تجميد الفواكه بسرعة في الفراغ عند درجة حرارة منخفضة جدًّا تصل إلى 196 درجة مئويّة تحت الصفر. نتيجة لذلك، تتبخّر المياه المجمّدة داخل الفاكهة، أي تتحوّل مباشرة من الجليد إلى بخار. تتميّز الفواكه المجفّفة بالتجميد بخصائص فيزيائيّة مختلفة تمامًا عن تلك المجفّفة بالحرارة. السمة البارزة هي خفّتها وهشاشتها. تترك إزالة الماء بسرعة داخل الفاكهة جيوب هواء صغيرة عديدة، ما يخلق القوام الفريد الخفيف والهشّ. ومن أجل تمديد مدّة صلاحيّة الفواكه، يتمّ معالجتها قبل التجفيف عادة بغاز ثاني أوكسيد الكبريت، الّذي يعيق نموّ الميكروبات مثل الخمائر والبكتيريا والعفن من خلال التأثير في جدران خلاياها. بالإضافة إلى خصائصه المضادّة للميكروبات، فإنّ ثاني أوكسيد الكبريت هو أيضًا مضادّ للأكسدة، ما يمنع التسوّد الناتج عن عمليّات الأكسدة وبالتالي يساعد في الحفاظ على القيمة الغذائيّة للفواكه.
خلاصة، منذ العصور القديمة، أدرك الإنسان أنّ إزالة الماء المتاح من الطعام بشكل عامّ، ومن الفواكه بشكل خاصّ، يساعد في الحفاظ عليها وإطالة مدّة صلاحيّتها. مع تقدّم العلم، تمّت ترجمة هذه المعرفة التجريبيّة إلى مقياس كميّ يُسمَّى نشاط الماء، والّذي يساعد في فهم سلوك الأطعمة في ظروف مختلفة. على سبيل المثال، ساعد هذا الفهم في تطوير عبوات خاصّة تمنع فقدان أو امتصاص الرطوبة في المنتجات الغذائيّة. نتيجة لهذه المعرفة والتكنولوجيا، أصبح من الممكن الاستمتاع بالفواكه المجفّفة طوال العام. في السنوات الأخيرة، اكتسبت الفواكه المجفّفة اهتمامًا كبيرًا كبديل صحيّ للوجبات الخفيفة الأخرى الّتي تحوي نسبًا عالية من الدهون والسكّر. ومع ذلك، من المهمّ أن نأخذ في الاعتبار أنّ التجفيف يزيد من تركيز السكّر في الفاكهة وقيمتها الحراريّة لكلّ وحدة وزن، لذا يُنصح بتناولها باعتدال. بالصحّة والعافية!