عادةً ما تتركُ آثارُ الزّمن علاماتها على الأعمال الفنّيّة، لكن ولحسن الحظّ، يمكن إعادة مجد هذه الأعمال إلى سابق عهده بمساعدة محترِفين ومحترفات، مزوَّدين بالمعرفة التّاريخيّة والفنّيّة والعلميّة. دعونا ننطلق في رحلة متعدّدة الاختصاصات، لنستكشف تعقيدات عملية التّرميم – ترميم الأعمال الفنّيّة، والّتي بفضلها يُمكننا التّمتع بالخصائص الأصليّة للأصول الثّقافيّة القديمة.
بدايةً: لا تُؤذِ (Primum non nocere)
إنّ إصلاح الأعمال الفنّيّة الّتي أُصيبت بضرر وترميمها ليس بالأمر الجديد. فبعد عشرات السّنوات فقط على افتتاح سقف كنيسة سيستين في روما – ثمرة أعمال مايكل أنجلو، في أوائل القرن السّادس عشر، تسبّب ضررٌ ناجمٌ عن المياه في ظهور طبقةٍ بيضاء غير مرغوب بها عليه، ومن المعروف اليوم أنّ هذه الطبقة كانت عبارة عن نترات البوتاسيوم، وفي ذلك الوقت أزيلَت باستخدام زيت بذور الكتان وزيت البندق، على اعتبار أنّهما “الموادّ الوحيدة المُتاحة”. لكن هذه الموادّ، الّتي لم يكن استخدامها معتمدًا على معرفة علميّة حقيقيّة، بالتّأكيد ليست مناسبةً لمهمَّة التّرميم في أيامنا.

من الممكن إعادة مجدها إلى سابق عهده – بمساعدة متخصصين ومتخصّصات مهرة، مزوّدين بالمعرفة التاريخية والفنية والعلمية. امرأة تنظر من خلال المجهر إلى عمل فنّي أثناء ترميمه. | Shutterstock, GIACOMO MORINI
إنّ الحفاظ على الأعمال الفنّيّة يعني الحفاظ على حالة العمل القائِمة ومنعها من التدهور. بخلاف ذلك، في عمليّة التّرميم يتمّ التّدخّل في العمل الفنّيّ، لإعادته إلى حالته الأصليّة. يمكن أن يكون التّدخّل تدخّلًا موضعيًّا – مثلًا، إصلاح شقّ في قطعة فنّيّة – ويمكن أن يكون تدخّلاً واسعًا أكثر، مثل إزالة طبقة طلاء بأكملها. عملًا بالمثل اللاتينيّ القديم: primum non nocere (وبالعربية: “بدايةً: لا تُؤذِ”)، فإنّ المرمّمين يأخذون عملهم الدّقيق على محمل الجدّ. يقومون بالتّدخل عندما يرون أنّ القطعة الفنّيّة قد تكوّنت من طبقات، وكلّ طبقة منها تمثّل لحظة مختلفة في تاريخ القطعة. أحيانًا لا تكون بعض هذه الطّبقات مطابقة للأصل، لأنّ الإصلاحات السّابقة لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية، أو أنّه تمّ استخدام مواد خاطئة، أو لم يتمّ حفظ هذه الأعمال بشكل جيّد، أو تكون هذه الطّبقات أحيانًا مجرد طبقات من الأوساخ، أو أنّها ناتجة عن أضرار الكوارث الطبيعيّة.
يقوم المرمّمون بتحديد هذه الطّبقات من خلال أخذ عيّنة صغيرة من العمل، ومشاهدتها تحت المجهر: يرون بأعينهم الثّاقبة “علم آثار” العمل بأكملِه، وهكذا يعرفون ما هي الطّبقة الأصليّة الّتي يسعون للوصول إليها. أحيانًا، يتمّ اكتشاف لوحات كاملة في فحوصات الأشعّة السّينيّة، وتكون هذه الطبقات “مدفونةً” تحت طبقات أحدث.
في حالات التّرميم الصّعبة لأعمال فنّيّة مدمّرة جزئيًا، يتطلّب من فنّان استكمال الجزء المفقود عملًا. يَتساعد المرمّمون بواسطة الأجزاء الأُخرى من اللّوحة وكذلك بصور قديمة للعمل وبمعلومات من الكتالوجات، ويحاولون استكمال الأجزاء المفقودة بأفضل طريقة ممكنة. في وقتنا الحاليّ، بالإمكان استخدام الألوان القابلة للغسل، بحيث وقبل أن يتمّ دهن الأجزاء الجديدة بطلاء اللك – يمكن للزّبائن أن يقرّروا ما إذا كانت أعمال التّرميم مُرضية أم لا. إن لم تكن كذلك، فبالإمكان – مع الأسف الشّديد – استكمال التّرميم من جديد، دون الإضرار بالأجزاء القديمة من اللّوحة.

في عمليّة التّرميم يتمّ التّدخّل في العمل الفنّيّ من أجل إعادته إلى حالته الأصليّة. مرمّمون يفحصون عملًا فنّيًّا في ميلانو، إيطاليا | Pasquale Sorrentino / Science Photo Library
تنظيف بسرعة الضّوء
هل كنتم تعلمون أنّ اللّون الأصليّ لتمثال الحرّيّة كان بُنيًّا؟ عندما قدَّمته الحكومة الفرنسيّة إلى الولايات المتّحدة عام 1886، كان يبدو بوضوح أنّ العمل مصنوع من النّحاس. لكن وفي غضون أقلّ من عقدَيْن من الزمن، أصبح التّمثال مغطىً بالصّدأ – وهو عبارة عن طبقة مُخضرّة، تكوّنت نتيجة لالتقاء النّحاس المستمرّ بالأكسجين في الهواء.
تمثال الحرّيّة ليس وحده في هذا: العديد من التّماثيل المختلفة، تكون مغطّاة بطبقة مدمّرة تمامًا لجمالها الأصليّ. إحدى الظواهر الشّائعة هي أنّ التّماثيل تصبح مغطّاة بطبقات سميكة من الأوساخ، والّتي لا يمكن تنظيفها بالوسائل الروتينيّة؛ فمثلاً، تتراكم عادة رواسب داكنة على التماثيل الرّخاميّة الموضوعة في ساحات المدن، والتي يتبيّن تحت المجهر أنّها عبارة عن خليط من الجبس والملوّثات البيئيّة.
كيف نقوم بإزالة الأوساخ دون التَّسبّب بضرر للموادّ الأصليّة أو إتلافها؟ في مثل هذه الحالات، يستخدم أصدقاؤنا المرمِّمون أجهزة ليزر. يتمّ استخدام جهاز خاصّ – مماثل للجهاز المستخدَم لإزالة الوشوم – من أجل إزالة هذه الأوساخ: تُرسم نبضات طاقة (Pulses) قصيرة ومراقَبة نحو التّمثال، من جهازٍ يشبه المسدس، وعندما يتم توجيه هبّة من الهواء من خرطوم نحوه في ذات الوقت – فإنّ السّحر يحدث: تسقط الأوساخ ببساطة وكأنّها لم تكن أبدًا. إنّ شعاع الليزر، غير المرئيّ أبدًا للعين البشريّة، يستطيع تفتيت طبقة الأوساخ، لكن ولأنّه لا يخترق ما هو أكثر من ذلك، فإن التّمثال لا يتضرّر.
تمّت تجربة هذه التّقنية لأوّل مرّة في سنوات السّبعين، ولكنّها قوبلت ببعض الشّكوك، ثمّ في التّسعينيات، بدأوا استخدامها أيضًا على اللوحات الجداريّة الكبيرة. التقدم المفاجئ أتى عندما اقترح الفيزيائيّ الإيطاليّ سالفاتوري سيانو (Siano) استخدام نبضات قصيرة، تستمرّ ميلي ثانية – (واحِد على ألف من الثانية – millisecond) بل وحتى نَانُوثَانِيَة (واحد من ألف مليون من الثانية – nanoseconds). تُستخدم أجهزة الليزر الشائِعة طول موجي يبلغ 1064 نانومتر، وكثيرًا ما تُستخدم في الفيزياء والطّبّ وكذلك لأغراضٍ عسكريّة. لقد أحدث استخدامها ثورة في مجال التّرميم، لأنّها تُعتبر آمنة، وفعّالة وسهلة للاستخدام.

كيف تتم إزالة الأوساخ دون التسبب بالضرر للمواد الأصلية؟ تنظيف نقش بارز على كنيسة في إيطاليا | Mauro Fermariello / Science Photo Library
التألُّق بالنانو
قبل بضعة عقود من الزمن، ظهرت بقعٌ على اللوحات الجداريّة في كنيسة برانكاتشي (Brancacci) في فلورنسا: لقد تركت النحلات المارّة آثارها على الأعمال، وتغطَّت أجزاءٌ منها بالشّمع. تمّ استدعاء الكيميائي بييرو باليوني إلى العمل (Baglioni)، فأدرك باليوني على الفور أنه من المستحيل إذابة الشمع بالمذيبات العاديّة – خشية أن يخترق المذيب طبقاتَ الطلاء، ويتسبّب في أضرارٍ أكبر.
باليوني هو كيميائيّ مختصّ في الموادّ الغرويّة – والتي هي عبارة عن خليط من جزيئات صغيرة، موزَّعة بشكل موحّد داخل مادّة أخرى تُحيط بها. تبيّن أنّ المواد الغرويّة كانت ذات فائدة لهذه المهمّة المركَّبة: اخترع باليوني مستحلبًا يتكوّن من مُذيبات عضويّة ومن ماء ومادّة تثبيت. تحت المجهر، نرى أنّ المستحلب يتكوّن من قطرات نانومتريّة (جزءٌ من ألف مليون من المِتْر)، وهو يعمل تمامًا مثل مواد التنظيف الأخرى: تقوم القطرات بامتصاص جزيئات الشمع إليها، وهذه الجزيئات تنفصل عن اللوحة، وهكذا يمكن إزالتها بواسطة هذا المستحلب.
كانت المذيبات التي استخدمها باليوني هي البنتانول وكربونات البروبيلين وأسيتات الإيثيل – وهي مذيبات عضويّة معروفة جدًّا في الكيمياء، وموجودة أيضًا في المنتجات العاديّة، مثل بعض أنواع الدبق ومزيل طلاء الأظافر وبطاريات الليثيوم. أُطلق على القطرات النشطة اسم “الميسيلات/المُذْيَلات (Micelles) المنتفخة”، وذلك لسبب وجيه: الميسيلات/المُذْيَلات هي مجموعات من الجزيئات التي تتصرّف بطريقتين عند وجود الماء – من جانب منها تقوم بطرد الماء (كارِهة للماء)، ومن الجانب الآخر، تذوب جيدًا فيه (مُحِبّة للماء). على هذا المبدأ يعتمد عمل الصابون. الميسيلات المنتفخة هي عمليًّا ميسيلات زاد حجمها، لأنّ جزيئات المُذيب العضويّ قد “غطّتها”.

لتنظيف البقع الموجودة على الأعمال الفنّيّة، يجب استخدام مواد خاصّة. تنظيف لوحة من القرن الخامس عشر | Pasquale Sorrentino / Science Photo Library
على مرّ السنين أثبتَ المحلول الغروانيّ فعاليته الكبيرة في إزالة الملوّثات البوليمرية، مثل الشمع والّذي تمّ تطوير المحلول من أجله في الأصل. البوليمرات هي جزيئات عملاقة، تتكوّن من وحدات متكرّرة. تكمن فعاليّة المحلول في مرحلتَي عملِه: أوّلًا، تخترق جزيئات المُذيب البوليمر وتوسّعه. بعد ذلك، تقوم القطرات النانويّة – المُذْيَلات المنتفخة (الميسيلات) الّتي تحمل فوقها جزيئات المذيبات – بإزالة الطبقة غير المرغوب فيها بشكل تامّ.
تُستخدم الجسيمات النانوية أيضًا في تقوية الأحجار القديمة. في مشروع استثنائيّ للاتّحاد الأوروبيّ، يُدعى “الكاتدرائية-النانوية”، يتمّ تحديد مواقع الكاتدرائيّات الحجريّة الّتي بدأ يحصل فيها تآكل. بعد فحص الخصائص الميكانيكيّة للحجر، يقدّم الكيميائيّون وعلماء الصخور علاجًا للتآكل: خليط من الجسيمات النانويّة يعتمد على كربونات الكالسيوم، يشبه في تركيبه الحجر الأصليّ، يعزّز قوّة الطوب القديم. يُدخَل الخليط إلى الحجارة من خلال الفتحات التي حدثت فيها، يملأها ويمنح الحجر حياة جديدة. يجري تنفيذ هذا المشروع في عدّة دول، من النرويج إلى فرنسا؛ حتّى أنّ كاتدرائية بيزا (التي تقع بجوار برج بيزا المائل الشهير) قد حظيت بمعالجةٍ في إطار هذا المشروع.

يتعلق الترميم أيضًا بتقوية الحجارة والمباني. إصلاح شق في سقف مرسوم لكنيسة | Mauro Fermariello / Science Photo Library
تضاريس اللوحات
تعتبر مطيافية الكتلة من أكثر الطرق قُدمًا وموثوقيّة في الكيمياء التحليليّة، وهي تعتمد على تفكيك الجزيئات إلى جسيمات مشحونة كهربائيًّا (أيونات)، وتطبيق حقل كهربائيّ قويّ يعمل على تسريعها، ممّا يؤدّي إلى فصل الأيونات الموجبة عن السالبة – والتي تنتشر في اتّجاهات مختلفة في الفضاء. بمساعدة قياس زمن طيران الأيونات، من لحظة تفكّك الجزيئات وحتّى وصولها إلى الكاشف، بالإمكان حساب كتلة الجسيمات، وبالتالي تحديد ما الموادّ التي يتكوّن منها الجزيء بالضبط، بما في ذلك نسب الكميّات بينها. بهذه الطريقة، يُمكِن معرفة تركيبة الأصباغ في عمل فنيّ معيّن على سبيل المثال. ولكن قبل إجراء فحص المطيافية نفسه، كيف يمكننا أن نأخذ عيّنة لون من اللوحة؟ إنّ التكنولوجيا في تطوّر مستمرّ: في العقد الماضي، على سبيل المثال، قام متحف جيتي (Getty) وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا (UCSB) بتطوير طريقة تعتمد على مجهر القوّة الذرّيّة (AFM) – وهي أداة قويّة جدًّا في دراسة الأسطح. طوِّرت هذه الطريقة لعدم التسبّب بضرر للأعمال الفنّيّة قدر الإمكان.
يتيح مجهر القوّة الذرّيّة إمكانيّة فحص سطح العمل الفنّي ومحاكاته بدقة، أي ما هي تضاريسُه بالضبط، من خلال استخدام مستشعِر دقيق للغاية ورقيق، حسّاس لأيّ قوّة تعمل بينه وبين السطح – قوّة كهربائيّة أو مغناطيسيّة، قوّة ميكانيكيّة أو حتّى تذبذبات كموميّة. تمارس كلّ منطقة في الفضاء مجموعة مختلفة من القوى، وهكذا يمكن إعادة بناء البنية المكانيّة للمادّة بدقّة تفصيليّة للغاية. في الحالة التي أمامنا، يساعد فهم السطح المجهريّ للّوحة في أخذ عيّنة صغيرة جدًّا من الطلاء.
يُحلّل اللّون باستخدام تقنيّتين معًا: التحليل الطيفيّ بالليزر، وهو اسم عامّ لعدة طرق، تتضمّن تسليط الليزر على مادّة ما، وفحص التفاعلات بين الضّوء والمادّة، والتي يُعبَّر عنها في انبعاث الإشعاع؛ إنّ تحليل التردّدات التي تكوّن هذا الإشعاع، يسمح باستخلاص استنتاجات حول بنية المادّة وخصائصها. يُدمَج بين هذه الطريقة مع نسخة محدّدة من مطيافيّة الكتلة، والتي يُستخدَم شعاع ليزر فيها لتأيين – أي إزالة إلكترون – من جزيئات أو ذرّات معيّنة. عندما تُنشَأ الأيونات، يُفحَص وقت طيرانها كما في الطريقة التّقليديّة. تُتيح هذه الطريقة فصل الأيونات بشكل أكثر دقّة، بل وحتى التّمييز بين عدّة نظائر – أي الذّرّات الّتي يختلف عدد النيوترونات فيها عن عدد البروتونات – لنفس العنصر. للنظائر المختلفة خصائص مختلفة، وبواسطتها يمكن تحديد تاريخ العمل الفنّيّ.

في حالات الترميم الصعبة، لأعمال فنيّة مدمّرة جزئيًا، يتطلّب استكمال الجزء المفقود عملاً من قبل فنان. ترميم لوحة قديمة | Shutterstock, marcovarro
علوم الكتب
إنّ الفنون بمعناها الأوسع تشمل كذلك الأعمال الأدبيّة. كما هو الحال مع غيرها من التحف الفنّيّة، فإن الكتب تتأثّر أيضًا من خُطى الزّمن عليها، والكتب القديمة والعتيقة لها قيمة ثقافيّة هائلة تستحقُ الحفاظ عليها. مهمّةٌ كهذه كانت الدافع وراء عمل صوفيا بوجل (Bogle) منذ أكثر من ثلاثة عقود.
عندما تتلقّى بوجل كتابًا قديمًا تعامله برهبةٍ مقدّسة. إحدى عمليّاتها الأولى هي تشريح “العمود الفقريّ” للكتاب بسكّين يشبه سكّين الجرّاح. للوهلة الأولى، يبدو الأمر بمثابة تدمير للكتاب، لكنّ هذا العمل هو جزءٌ أساسيّ من ترميمه. تقوم بوجل بتحديد ما إذا كان ظهر الكتاب مصنوعًا من ورق حامضيّ، ثمّ إذا لزم الأمر، تُزيل الطبقات الحامضيّة باستخدام ممحاة خاصّة. أحيانًا يكون ظهر الكتاب نفسه مدمَّرًا، وفي مثل هذه الحالات، عليها أن تُصنّع وجمّع “عمودًا فقريًّا” جديدًا، يتناسب تمامًا مع غطاء الكتاب.
الورق الحامضيّ كان شائعًا جدًّا في المطبوعات القديمة. طريقة صناعة الورق في الماضي كانت تتضمّن استخدام غراء مصنوع من الرَّاتِيْنَج (مادَّةٌ عُضْوِيَّةٌ صَمْغِيَّة) وألمنيوم، وهذا الغراء كان يُضاف إلى عجينة الورق الأوّليّة التي تنتج من الشجر. في هذه العملية ينتج مركّب كبريتات الألومنيوم، والذي مع تفاعله مع الرطوبة التي في الهواء، يخلَق أحماضًا تعمل على تسريع عمليّات تعتيق السليلوز، وهو الجزء من النبات الذي يُصنع منه الورق. يخضع اللِچْنين، وهو مادة نباتيّة تدخل أيضًا في تركيب عجينة الورق، لعمليات الأكسدة أيضًا. اُخلطوا جميع المكونات معًا – وستحصلون على ورق أصفر، صلب ومتفتّت.
حتى لو أنّ صفحات الكتاب لم تَتَفتّت، فإنها تتطلّب أحيانًا الغسل من أجل إزالة طبقة غير مرغوب فيها تميِّز الأوراق الحامضية، وتوصَف بأنّها صدأ. نحاول أن نكون حذرين مع الماء دائمًا بالقرب من الكتب، وإذ ببوجل تغسل الصفحات في الحوض. لكنها أولاً، تقوم بغمس عود خشبيّ من القطن في محلول التنظيف وتفحص قدرته على إزالة البقع، ثمّ بعد بضع دقائق من الانتظار، تقرّر ما إذا كان غسل الأوراق الشّامل هذا ضروريًّا بالفعل أم لا.
إذا كانت الإجابة نعم، تقوم بوجل بوضع الورقة بلطف على قطعة بوليستر خاصّة، مصنوعة من مادّة تدعى هوليتكس (اسم تجاريّ)، وتغمر الورقة ببطء كأنّها في حوض ماء. لتمكين الآخرين من الانخراط في هذا العمل المهم، قامت بوجل بتأليف كتاب، وهي أيضًا تبيع مجموعة أدوات خاصّة، حتىّ أنّها أنشأت موقعًا على الإنترنت يحتوي على مجموعة متنوعة من مقاطع الفيديو التوضيحية للمستخدمين المسجّلين. في نهاية العمليّة، تترك تذكارًا صغيرًا سرّيًّا داخل غلاف الكتاب: تضع اسمها خَتمًا وتكتب “رُمِّمت هذا الكتاب صوفيا”، وهكذا تتحوّل، هي نفسها، إلى طبقة جديدة في تاريخ العمل.