من يحاول الدّخول إلى موقع قناة الجزيرة القطريّة من البلاد هذه الأيّام، قد يجد نفسه في حاجة إلى إعادة توجيه إلى صفحة على موقع وزارة الاتّصالات تخبره بأنّ الموقع محجوب، أو أنّه سيحصل على شاشة بيضاء فقط. يأتي هذا الحجب بناءً على قانون أقرّه الكنيست عام 2024، بهدف تقييد خطوات القناة الإعلاميّة. ويُعدّ هذا القانون مثالًا لمجموعة واسعة من قيود الرقابة، الّتي تفرضها الحكومات في جميع أنحاء العالم على الإنترنت. وتنتشر هذه الظّاهرة بشكل خاصّ في البلدان الاستبداديّة، حيث تسعى السّلطات إلى الحَدّ من حرّيّة المواطنين في الحصول على المعلومات وجعل التّواصل بينهم صعبًا. مع ذلك، حتّى في البلدان الغربيّة، قد نجد في بعض الأحيان قيودًا على بعض الاستخدامات الممكنة للإنترنت. على سبيل المثال، في إيطاليا، قُيّدت مؤخّرًا مواقع الويب بسبب الاشتباه في توزيع محتوى مقرصَن.

لكي نفهم كيف تستطيع الحكومات فرض القيود والرّقابة على الإنترنت، يتعيّن علينا أوّلًا أن نفهم ما هي شبكة الإنترنت وكيف نتّصل بها. كقاعدة عامّة، يمكن لأيّ جهازي حاسوب متّصلَيْن ببعضهما البعض التّواصل مع بعضهما البعض. سوف يكون هذا التّواصل بسيطًا للغاية، حيث لن يتمكّن سوى من نقل المعلومات المخزّنة داخلها فيما بينها. إذا ربطنا  المزيد من أجهزة الحاسوب، فسوف نحصل بالفعل على شبكة منها، حيث يمكن للجميع التّواصل مع بعضها البعض. إنّ الإنترنت عبارة عن مزيج من العديد من الشّبكات الضّخمة من جميع أنحاء العالم والّتي تتواصل مع بعضها البعض.

عندما نتصفّح الإنترنت، سواء في المنزل أو في العمل أو في أيّ مكان آخر، لا يكون جهازنا متّصلًا مباشرةً بالشّبكة العالميّة، بل بمزوّد محلّيّ. المزوّد هو المتّصل بالإنترنت، وهو الّذي يسمح لنا بالوصول إليه بدورنا كعملاء.

كلّ موقع ويب على الإنترنت لديه عنوان يُسمّى عنوان IP، تمامًا كما يمتلك الشّخص عنوانًا سكنيًّا. هذا العنوان عبارة عن تسلسل محدّد من الأرقام وأحيانًا الحروف. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ معظم المواقع الإلكترونيّة المخصّصة لعامّة النّاس لديها اسم نطاق (Domain) – وهو عنوان موقع الويب المعروف الّذي يسمح لنا بالوصول إلى الموقع بطريقة مفيدة بالنّسبة لنا. على سبيل المثال، عنوان موقع معهد دافيدسون هو davidson.weizmann.ac.il. عندما نتصل بموقع ويب، يحوّل مزوّد خدمة الإنترنت لدينا اسم موقع الويب إلى عنوان IP الخاصّ به، باستخدام بروتوكول يُسمّى DNS – نظام اسم النطاق  (Domain Name System)، والّذي يعمل كالقاموس الّذي يربط كلّ اسم بعنوان IP محدّد.

حظَرٌ سَنَّهُ القانون يهدف إلى تقييد نشاط قناة الجزيرة في البلاد. الإعلان عن موقع وزارة الاتّصالات | لقطة شاشة من موقع gov.il مترجمة 

لا يمكن الوصول إلى الموقع!

عندما تريد دولة ما منع الوصول إلى موقع ويب معيّن، يمكنها التّدخّل في أيّ من الخطوات في العمليّة الموضّحة هنا. أوّل شيء يمكنها حظره هو DNS، ممّا يعني أنّه يمكنها إجبار مزوّدي خدمة الإنترنت العاملين في منطقتها على حذف عنوان IP الخاصّ بالموقع من قاموسهم. وبالتّالي، إذا أدخل أحد عملاء مزوّدي خدمة الإنترنت المحلّيّين عنوان URL، فلن يُعاد توجيهه إلى أيّ مكان وسيتلقّى رسالة خطأ (Error). هذه هي الطّريقة الّتي استخدمتها وزارة الاتّصالات لحجب موقع قناة الجزيرة في البلاد. من السّهل جدًّا تجاوز هذا الحظر، حيث يمكنكم ببساطة استخدام خادم DNS أجنبيّ بدلًا من خادم المزوّد، أو الوصول إلى الموقع باستخدام عنوان IP، إذا كان معروفًا لكم.

إنّ الرقابة الأكثر صرامةً الّتي يمكن تنفيذها هي الحجب المباشر للـ IP، وهذا يعني أنّ الدّولة تصدر تعليمات لمزوّدي الإنترنت العاملين داخل أراضيها بحظر، أي بالتحويل إلى عنوان IP محدّد. يُعتَبر هذا الحظر أكثر فعاليّةً من حظر DNS، ولكنّه ليس محكمًا أيضًا. هناك طريقتان رئيسيّتان لتجاوز مثل هذا الحظر. الطّريقة الأولى هي استخدام البروكسي (وكيل: proxy) – هناك طرق للاتّصال بموقع ويب تابع لجهة خارجيّة في بلد آخر، حيث يُنسخ التحويل من موقع الويب المحظور إليه. يُرسِل الموقع الوسيط المعلومات دون تحديد الموقع المحظور، وبالتّالي لا يعرف مزوّد خدمة الإنترنت أنّه عليه حظره. بهذه الطريقة لا يكون هناك تفاعل مباشر بيننا وبين الموقع المحجوب. الحلّ الآخر، والّذي عادةً ما يتضمّن رسومًا، هو استخدام VPN (شبكة خاصة افتراضية : Virtual Private Network). وهي عبارة عن شبكة افتراضيّة تفتح على خادم أجنبيّ يمكن من خلالها التّواصل مع الموقع.

ومن أشهر الأمثلة على استخدام هذيْن النّوعيْن من الحجب سور الحماية العظيم في الصّين – وهو آليّة ضخمة تديرها الحكومة الصّينيّة للحد من المحتوى الّذي يُسمح لمواطنيها بالتّعرّض له عبر الإنترنت. ونظرًا لمدى الحظر، أصبح استخدام خدمات VPN في الصّين شائِعًا بشكل خاصّ. ورَدًّا على ذلك، فرضت السلطات أيضًا قيودًا على استخدام شبكات VPN، بل ومنعت الوصول إلى بعضها تمامًا.

مزيج من العديد من الشّبكات الضّخمة من جميع أنحاء العالم والّتي تتواصل مع بعضها البعض. شبكة الويب العالميّة | رسم توضيحيّ: أوري فوجل

نكسر الأدوات

إنّ الوسيلة الأكثر تطرّفًا للرّقابة على الإنترنت هي إغلاقه. إنّ نطاق القيود الّتي يمكن تطبيقها هنا واسع. والأمر الأكثر تطرّفًا، بطبيعة الحال، هو الإغلاق الكامل للوصول إلى الإنترنت ولجميع مزوّدي الإنترنت. قد يكون القيد الأكثر اعتدالًا هو الإبطاء المتعمّد للشّبكة، ممّا يجعل من الصّعب للغاية استخدام الشّبكة. إحدى الطّرق للقيام بذلك هي تخفيض مستوى شبكات الهاتف الخلويّ من الأجيال المتقدّمة، 5G أو 4G، إلى أجيال أقدم مثل 2G. يمكن تنفيذ الإغلاق في جميع أنحاء البلاد أو في مناطق مختارة فقط. وثّق موقع accessnow حوالي 450 حالة انقطاع للإنترنت في 39 دولة مختلفة في عام 2023. أُجرِيَ جزء كبير من هذه الإغلاقات في الهند.

على عكس حظر DNS أو IP، فإنّ إغلاق الإنترنت عادةً ما يكون إجراءً مؤقّتًا محدودًا بالوقت، الّذي تتّخذه الحكومات في محاولة للسيطرة على الأحداث الّتي لا تناسبها، مثل الاحتجاجات العامّة الكبيرة أو الاضطرابات الأمنيّة. من الصّعب للغاية التّغلّب على مثل هذه العوائق، لأنّها تُطبق على كلّ حركة الإنترنت ــ البُنيَة التّحتيّة نفسها ــ وليس فقط على محتوى محدّد.

وعليه، فإنّ التعامل مع الحظر يعد أكثر تعقيدًا وأقلّ سهولة بالنّسبة لعامّة النّاس، بسبب التّكاليف المرتبطة به والمعرفة التّكنولوجية المطلوبة لهذا الغرض. الحلّ الأوّل المحتمل هو إنشاء شبكة داخليّة مكوّنة من عدّة أجهزة حاسوب مع اتّصال مباشر. ورغم أنّ هذا ليس بديلًا كافيًا لشبكة الويب العالميّة، فإنّ المستخدمين على الأقلّ سيكونون قادرين على التّواصل مع بعضهم البعض. هناك خيار آخر وهو استخدام الإنترنت عبر الأقمار الصّناعيّة، وهو مستقلّ عن البنية التّحتيّة للدّولة. وللقيام بذلك، لا بد من تركيب طبق استقبال الأقمار الصّناعيّة وغيره من المعدّات ذات الصّلة.

في البلاد، الإنترنت مجانيّ بالكامل تقريبًا، ومعظم أساليب الحجب والمراقبة المذكورة في هذه المقالة هي مجرّد افتراضيّات بالنسبة لمعظمِنا. ونأمل أن يظل هذا هو الحال في المستقبل.