באתר זה נעשה שימוש בקבצי עוגיות בין היתר של צדדים שלישיים. חלקן חיוניות לחוויית גלישה תקינה וחלק משמשות לסטטיסטיקה ושיווק. המשך גלישה באתר מהווה הסכמה לשימוש זה. המידע נשמר בהתאם למדיניות הפרטיות של מכון דוידסון.
لشراء التذاكر
الفضاء لمحة علميّة

نجمة الحيّ: الشمس

أكبر جرم سماويّ في محيطنا القريب، تمدُّنا – كما تمدُّ سائر الكواكب – بالضوء والحرارة والجاذبيّة، وتتيح وجود الحياة، لكنّها في الوقت ذاته تُبقيها تحت تهديد دائم.
رحلة في أرجاء النظام الشمسيّ: المقالة الأولى ضمن هذه السلسلة.
Getting your Trinity Audio player ready...

بين النجوم اللامِعة في سماء الليل فوقَ كوكب الأرض، تدور سبعة كواكب حول شمسٍ واحدة، إلى جانبها أجرام سماويّة أُخرى تشكّل معاً حيّنا الصغير داخلَ هذا الكون الفسيح: النظام الشمسيّ. ويمنحنا القرب إ النسبيّ لهذه الأجرام ميّزة كبيرة لدراستها ، وربّما أيضًا الحلمَ بزيارتها ذات يومٍ، بل وحتى إقامة أحياء بشريّة عليها في المستقبل. نُخصِّصُ هذه السلسلة من المقالات لجيراننا في النظام الشمسيّ: مَن هم؟ ماذا نعرف عنهم؟

تنهض دول وتنهار، قادة يرحلون وآخرون يتقدّمون، والاكتشافات العلميّة لا تتوقّف؛ أرقام قياسيّة تتحطّم وكوارث طبيعية تهزّ العالم. ومع كلّ هذا الاضطراب، هناك حقيقة واحدة ثابتة لا تتغيّر: غدًا ستشرق الشمس.

الشمس هي النجم الوحيد في حيّنا الكونيّ الصغير الذي يحمل اسمها: النظام الشمسيّ. وهي أيضًا الجرم الأكبر والأكثر تأثيرًا فيه. وإلى أي حدّ؟ ما يقارب 99.8 في المئة من كتلة النظام الشمسيّ كلّها مركّزة في الشمس وحدها. 

الشمس بالأرقام 

الاسم اللاتينيSol
القطر1.4 مليون كيلومتر – أي نحو 110 أضعاف قطر الأرض
الكتلة 2×1030 كغم – أي ما يقارب 330 ألف ضعف كتلة الأرض
حضيض الشمسي للأرض (أقصر مسافة بين الأرض والشمس)147.1 مليون كيلومتر
الأوج الشمسي للأرض (أقصى مسافة للأرض من الشمس)152.1 مليون كيلومتر
المسافة المتوسطة بين الأرض والشمس149.6 مليون كيلومتر
تركيب الغلاف الجويبلازما من الهيدروجين والهيليوم
طول اليوم الشمسينحو 600 ساعة: ما بين 25 يومًا أرضيًّا عند خطّ الاستواء وَ35 يومًا عند القطبين
العمر التقديري4.5 مليارات سنة
تسارع الجاذبية274 متر/ثانية²
القدرة الإشعاعية3.8X1026 جول في الثانية
درجة الحرارةفي النواة: 15 مليون °م

على السطح: 5,500 °م

الزمن الذي يستغرقه الضوء للوصول إلى الأرضنحو 8 دقائق

مصدر البيانات: وكالة الفضاء الأوروبيّة 

في البداية كانت مجرد سديم 

نشأت الشمس قبل نحو 4.5 مليارات سنة من سحابة هائلة من الغبار والغاز تُعرَف باسم السديم الشمسي. ومع مرور الوقت، انهار السديم تدريجيًّا تحت تأثير جاذبيّته الذاتيّة، فازدادت سرعة دورانه – تمامًا كما تتسارع المتزلّجة على الجليد عندما تقرّب ذراعيها إلى جسدها؛ هذا التسارع أدّى إلى تَفَطُّح السحابة وتحوّلها إلى قرص دوّار.

بسبب الحركة الدورانيّة المتزايدة، أخذت كمّيّات أكبر من المادّة تتراكم في مركز الكتلة، فازدادت سرعة السحابة بشكل عموديّ على محور دورانها بفعل مبدأ حفظ الزخم الزاويّ. ومع هذا التسارع، بدأت السحابة تنتشر إلى الجوانب، بينما تشكّل في مركزها جسم كرويّ شديد الكثافة، وهو النواة التي تطوّرت لاحقًا إلى الشمس. أمّا الجزء المتبقّي من السحابة — الذي لم تتجاوز كتلته أقلّ من واحد في المئة من كتلة السديم الأصليّ — فاستمرّ في التمدّد إلى الأطراف محافظًا على حركته الدورانيّة حول النجم المتكوّن. ومع مرور الوقت، أصبح هذا الامتداد قرصًا مسطّحًا يُعرف بفلك البروج ( ecliptic plane )، وهو المستوى الذي تدور فيه كواكب النظام الشمسيّ حول الشمس.

على مدى نحو مئة مليون سنة، أخذ الجسم الكرويّ الواقع في مركز السديم يكبر شيئًا فشيئًا، بينما كانت مادّته – المؤلّفة أساسًا من غاز الهيدروجين والهيليوم – تتعرّض لانضغاط متزايد. ومع مرور الوقت، أصبح هذا الجسم كبيرًا وكثيفًا إلى حدٍّ ارتفعت فيه الحرارة إلى ملايين الدرجات المئويّة.

في تلك المرحلة، ابتلعت الشمس الناشِئة بعض الكتل الصغيرة من المادّة التي كانت لا تزال قريبة منها. أمّا الكتل الأبعد، التي لم تتمكّن جاذبيّة الشمس من جذبها نحو الداخل، فقد بدأت تتراكم عند أطراف القرص وتدور حوله. ومن هذه الكمّيّات القليلة من المادّة –  التي بقيت مستقرّة – تشكّلت لاحقًا كواكب النظام الشمسيّ.

على الرغم من أنّ الشمس تُعدّ مركز نظامنا الشمسيّ، وأنّ جميع الكواكب تدور حولها، فإنّها لا تبقى ثابتةً في مكان واحد. فالشمس، ومعها كلّ كواكبها، تتحرّك في مدار واسع حول مركز مجرّتنا – مجرّة درب التبّانة. وتقطع هذا المدار بسرعة هائلة تصل إلى نحو 800 ألف كيلومتر في الساعة.

طبقات ملتهبة

تتكوّن الشمس من عدّة طبقات، تشبه طبقات البصل. ورغم أنّ تركيبها متشابه إلى حدّ كبير – بلازما مكوّنة من الهيدروجين والهيليوم – فإنّ درجات الحرارة فيها تختلف اختلافًا شديدًا. تصل درجة الحرارة على سطح الشمس إلى نحو 5,500 درجة مئويّة، لكنّ هذا اللهيب القاسي يُعدّ ضئيلًا مقارنةً بما يحدث في أعماقها، وصولًا إلى نواة الشمس، حيث يمكن أن ترتفع الحرارة إلى نحو 15 مليون درجة مئويّة.

أعمق طبقات الشمس هي النواة، وهي المنطقة الأكثر حرارةً وكثافةً في النظام الشمسيّ، وتشكّل ما يقارب ربع نصف قطر الشمس بأسرِها. في داخل هذه النواة يتولد  ضغط هائل، ناتِج عن الكتلة الضّخمة للطَّبقات الخارجيّة للشمس. تولد هذه الظروف القاسية، من ضغطٍ شديد ودرجات حرارة قصوى، بيئة مثاليّة  لحدوث عملية الاندماج النوويّ، حيث تنضغطُ  نوى الهيدروجين لتتكوّن منها نوى الهيليوم. ينتج عن  هذه العمليّة مقدار هائل من الطاقة في شكل ضوء وحرارة، وهي الطاقة التي تُشعّها الشمس وتصل إلى الأرض، ممّا يجعل الحياة على كوكبنا ممكنة.

تحيط بالنّواة طبقتا الانتقال الإشعاعيّ والحمل الحراريّ، حيث تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض تدريجيًّا من سبعة ملايين درجة مئويّة تقريبًا إلى ما يقارب مليونا درجة كلّما ابتعدنا عن مركز الشمس. تؤدّي طبقة الانتقال الإشعاعيّ دورًا أشبه بالعازل، إذ تحتفظ بالحرارة المخزّنة في النواة وتمنعها من التسرُّب بسرعة. وفوقها تقع طبقة الحمل الحراريّ، حيث ترتفع فقاعات هائلة من البلازما الساخنة – وهي حالة من المادّة تتكوّن من ذرّات أو جزيئات متأيّنة فقدت إلكتروناتها، ممّا يجعلها موصلة للتيار الكهربائيّ وذات شحنة – ثمّ تتحرّك هذه الفقاعات نحوَ الخارج باتّجاه الغلاف الضوئيّ، وهو الطبقة التي نراها كسطح الشمس الخارجيّ.

تستغرق الطاقة الناتجة عن الاندماج النوويّ في النواة نحو 170 ألف سنة، لعبور طبقة الحمل الحراريّ والوصول إلى الطبقات الخارجيّة. أمّا الطبقات العليا فهي ما يمكننا رؤيته بالعين المجرّدة ونعدّه غلاف الشمس الجويّ. أوّل هذه الطبقات هي الغلاف الضوئيّ، وهو غلاف رقيق نسبيًّا تظهر عليه البُقَع الشمسيّة الشهيرة – وهي دوّامات مغناطيسيّة تبدو كأنّها بقع داكنة عند رصد الشمس عبر التلسكوبات المخصّصة. وفوقه يقع الغلاف اللونيّ، وهو طبقة رقيقة تظهر بلون مائل إلى الأحمر أو البرتقاليّ، ويمكن رؤيتها من الأرض بوضوح في أثناء الكسوف الكلّيّ للشمس.

أبعد طبقات الشمس هي الهالة الشمسيّة أو الكورونا. في هذه الطبقة تحدث انفجارات هائلة ناجِمة عن النشاط المغناطيسيّ فوق سطح الشمس. ومن الطبيعي أن نتوقّع أن تكون هذه الطبقة هي الأبرد، فكلّما ابتعدنا عن النواة تنخفض درجات الحرارة.  لكن، وعلى عكس المتوقع، تشكّل هذه الطبقة واحدًا من أكبر أسرار الشمس: إذ ترتفع حرارة الهالة إلى نحو ثلاثة ملايين درجة مئويّة. هذه القفزة الحراريّة ما تزال لغزًا علميًّا لم يُحسم تفسيره بعد؛ فالهالة هي أبعد طبقة عن النواة، ومع ذلك تفوق حرارة الطبقات التي تقع أسفلها. ويمكن رؤية هذه الهالة من الأرض بوضوح خلال الكسوف الكلّيّ للشمس، حيث تبدو كأنّها هالة بيضاء متوهّجة تحيط بالشمس.

لا يزال العلماء يواجهون لغزًا آخر لم يُفكّ بعد: ما الذي يسبّب الدورة المغناطيسيّة للشمس؟ فكلّ ما يقارب 11 عامًا أرضيًّا تنقلب الأقطاب المغناطيسيّة للشمس، بحيث يتحوّل القطب السلبيّ إلى موجب والعكس صحيح. وفي ذروة هذه الدورة يتصاعد النشاط المغناطيسيّ إلى مستويات أعلى من المعتاد، ويتجلّى ذلك في زيادة عدد الانفجارات الشمسيّة والانبثاقات القادمة من هالة الشمس. أمّا المادّة التي تنطلق من الهالة بسرعة تفوق سرعة الصوت فتُسمّى الرياح الشمسيّة، وهي تيّار من الجسيمات المشحونة التي تُشكّل حول الشمس فقاعة مغناطيسيّة هائلة تُعرَف بالهيليوسفيرة. وتمتدّ هذه الفقاعة إلى ما وراء مدارات كواكب النظام الشمسيّ، حتّى يمكن القول إنّ الأرض – مثل بقيّة الكواكب – تقع داخل الغلاف الجوّيّ الخارجيّ للشمس. للـهيليوسفيرة دور محوريّ في حمايتنا من الأشعّة الكونيّة، وهي نوع من “الرياح النجميّة” القادمة من نجوم بعيدة أو من أحداث كونيّة عنيفة مثل انفجارات النجوم (السوبرنوفا). وهذه الأشعة تتكوّن أيضًا من جسيمات مشحونة، لكنّها تحمل طاقة هائلة قد تُشكّل خطرًا على البشر. 

وبسبب البنية الطبقيّة للشمس، فإنّ مدّة دورانها حول محورها تختلف من طبقة إلى أُخرى؛ فالفترةُ اللازمة لدوران المناطق القريبة من القطبين أطول من تلك الخاصّة بالمناطق القريبة من خطّ الاستواء.

الطبقات التي تخفي في داخلها أسرارًا وظواهر مدهشة. البنية الداخلية للشمس. تصوير: Kelvinsong, Wikipedia

جديد تحت الشمس

تُعدّ الشمس من أكثر الأجرام السماويّة إثارةً للفضولِ التي يدرسها البشر، وبالمقارنة مع بعض الأجرام الأخرى في النظام الشمسيّ، فهي قريبة نسبيًّا منّا. لكنّ هذه القرب له عواقب مباشرة، إذ أنّ العمليّات التي تحدث على الشمس قد تؤثّر علينا أيضًا. لذلك، فإنّ دراسة الشمس لا تهدف فقط إلى إشباع الفضول العلميّ، بل هي أيضًا وسيلة لحماية البشريّة من المخاطر المحتمَلة.

أطلقت وكالة ناسا الفضائيّة على مرّ السنوات العديد من المركبات الفضائيّة لدراسة الشمس. ومن بينها، المركبة باركر (Parker Solar Probe)، التي أُطلقت عام 2018 وكانت أوّل مركبة تدخل إلى هالة الشمس. في ديسمبر 2024، سجّلت هذه المركبة حدثًا تاريخيًّا عندما وصلت إلى مسافة 6.2 ملايين كيلومتر من سطح الشمس. وخلال هذه الرحلة، حطّمت المركبة رقمًا قياسيًّا للسرعة وصل إليه أي جسم من صنع الإنسان. إذ سرّعتها جاذبية الشمس إلى نحو 690 ألف كيلومتر في الساعة، أي ما يعادل 192 كيلومترًا في الثانية أو %0.064 من سرعة الضوء.

 الهدف الرئيسيّ لهذه المهمّة، التي بلغت تكلفتها نحو 1.5 مليار دولار، كان مساعدة العلماء على فهم الآليّات وراءَ الانفجارات الشمسيّة، وكذلك الآليّة التي تؤدّي إلى ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير عادي في هالة الشمس. يعمل المجال المغناطيسيّ للأرض على اعتراض معظم الجسيمات المشحونة المنطلقة من الشمس، لكن أحيانًا تطلق الشمس مليار طن من هذه الجسيمات دفعة واحدة، وهو ما قد يسبّب اضطرابات على الأرض، مثل تعطّل الأقمار الصناعيّة للاتّصالات والمِلاحة، وفي حالات نادرة، تضرُّر شبكات الكهرباء والاتّصالات. لتفادي هذه الأضرار وتطوير أنظمة الإنذار المبكّر، أُرسلت مركبة باركر سولار بروب لدراسة الآليّات الداخليّة التي تجمع هذه الجسيمات المشحونة وتسارعها في هالة الشمس. ولتتمكّن المركبة من أداء مهمتها، زُوِّدت بدروع حرارية تحميها من الإشعاع الشمسيّ الشديد، الذي يصل إلى 650 كيلوواط لكل متر مربّع – أي 475 مرّةً أكثر من الإشعاع الذي يتعرّض له روّاد الفضاء في مدار الأرض — وتتحمّل درجات حرارة تصل إلى 1,370 درجة مئويّة.

هناك عدّة مهام بارزة أخرى أُطلقت لدراسة الشمس. ففي عام 2006 انطلق مشروع مركبتي ستيريو الفضائيتين (STEREO)، والذي شمل إطلاق مركبتين فضائيّتين متطابقتين. أُرسلت إحداهما لتسبُق الأرض قليلًا في مدار حول الشمس، بينما تبعتها الأخرى بنفس المسار من الخلف. ومن خلال هذه التشكيلة، توفّر المركبتان رؤية ثلاثيّة الأبعاد للانفجارات الشمسيّة، وتتبعانِ مسار العواصف الشمسيّة نحو الأرض. أنهت إحدى المركبتين مهمّتها في عام 2018، بينما تستمرّ الأخرى في العمل حتّى اليوم.

مركبة فضائيّة أخرى أُرسلت لدراسة الشمس هي SDO – وهي اختصار بالإنجليزية لـ”مركبة دراسة ديناميكيّات الشمس”. إذا شاهدتم يومًا صورة مقرّبة لسطح الشمس، فمن المحتمل أنّها التُقطت بواسطة هذه المركبة. أُطلقت SDO عام 2010 ومنذ ذلك الحين تدرس المجال المغناطيسيّ للشمس ودوره في النشاط الشمسيّ. وعلى مدى أكثر من عقدٍ من الرصد المتواصل  في جوار  الشمس، راقبت المركبة دورة كاملة من دورات النشاط المغناطيسيّ للشمس، وقدّمت معلومات حول سلوك الشمس طوال هذه الدورة، بما في ذلك ذروة النشاط التي تبلغها  في السنة الحادية عشرة. مؤخّرًا، اكتشف الباحثون من خلال مراقبة SDO حلقات وميضيّة في هالة الشمس، والتي قد توفّر إنذارًا مبكّرًا قبل حدوث انفجار شمسيّ قريب.

وأحدث هذه المركبات هي سولار أوربيتر (Solar Orbiter)، وهي ثمرة تعاون بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبيّة. أُطلقت المركبة عام 2020 بهدف دراسة أقطاب الشمس، التي يُقدّر العلماء أنّها تلعب دورًا رئيسيًّا في الانفجارات الشمسيّة. نظرًا لأنّ مركّبة باركر ركّزت على منطقة خطّ الاستواء للشمس، تأتي سولار أوربيتر لتكمل المهمّة من منظور مختلف تمامًا. وهي أيضًا أوّل مركبة فضائيّة أُرسلت لدراسة أقطاب الشمس، وقد قدّمت بالفعل معلومات مهمّة. تسعى المركبة إلى فهم ما يحرك دورة النشاط المغناطيسيّ للشمس، وما السبب وراء ارتفاع حرارة هالة الشمس إلى ملايين الدرجات المئويّة، وكيف تتكوّن الرياح الشمسيّة.

لفهم الرياح الشمسيّة. فيديو من مركز جودارد التابع لناسا حول مهمّة مركبة باركر الفضائيّة (بالإنجليزيّة):
info

العيش على الشمس

تُعدُّ الشمس ربّما أشد البيئات عداءً للبشر في النظام الشمسيّ. أوّل ما يجب أخذه في الاعتبار هو درجات الحرارة الهائِلة، التي لا يمكن لأيّ مادّة نعرفها اليوم أن تبقى فيها في الحالة الصلبة. وعلى عكس الكواكب الصخريّة وأقمارها، لا يوجد على الشمس أيّ سطح صلب. الجزء الذي يُشار إليه عادةً على أنّه “سطح الشمس” هو الغلاف الضوئيّ، ويبلغ سمكه نحو 400 كيلومتر، وتصل درجة الحرارة فيه إلى حوالي 5,500 درجة مئويّة. وبالرغم من أنّ هذه الحرارة منخفضة نسبيًّا مقارنةً ببقيّة أجزاء الشمس، فهي كافية لـ إذابة حتّى الألماس والجرافيت، بل وجعلهما يغليّان. لذلك، لا نوصي بأيّ شخص (أو شخصة 🙂) بالذهاب في عطلة فضائيّة على سطح الشمس، على الأقلّ خلال  آلاف السنين القادمة.

رؤية الضوء

من السهل التعرُّف على الشمس في السماء، لكنّ مشاهدتها مباشرةً قصّة مختلفة تمامًا. فالنظرُ إلى الشمس مباشرةً خطيرٌ جدًا، وحتّى نظّارات الشمس العاديّة لا توفّر الحماية الكافية. لمشاهدة العواصف الشمسيّة الهائلة أو البقع الشمسيّة، يجب استخدام تلسكوب شمسيّ خاصّ، إذ أنّ النظر إلى الشمس عبر تلسكوب عادي قد يؤدّي إلى العمى.

לא להסתכל ישירות – זה מסוכן! צילום של השמש בשמי כדור הארץ | צילום: Kashparovski, Wikipedia
لا تنظُرْ مباشرةً — إنّه خطير! صورة للشمس في سماء الأرض | تصوير: Kashparovski, Wikipedia

بالطبع، نتوقّع رؤية الشمس في السماء خلال النهار، إذ أنّ ضوء الشمس هو ما يفرّق بين النهار والليل. لكنّ الشمس تقف أيضًا وراء عرض ليليّ مذهِل يُعدّ من أجمل المناظر على الأرض: الشفق القطبيّ، الذي يُعرف في المنطقة القطبيّة الشماليّة باسم الأضواء الشماليّة. يتجلّى الشفق على شكل بقع ضوئيّة ملوّنة، غالبًا بدرجات اللون الأخضر، ولكنّها لا تخلو أحيانًا من ألوانٍ أخرى كالأحمر والأصفر والأزرق والبنفسجيّ، فتزيّن سماء القطب الشماليّ أو الجنوبيّ.

يُعرف الشفق أيضًا باسم الأورورا بوراليّس (Aurora Borealis) في الشمال والأورورا أستراليس (Aurora Australis) في الجنوب، ويتكوّن عندما تصل جسيمات مشحونة كهربائيًّا من الشمس إلى الأرض، وتحرفُها المجالات المغناطيسيّة للأرض نحو مناطق القطبَيْن. بالقرب من القطبَيْن، تصطدم هذه الجسيمات بالغازات في الغلاف الجوي وتأيُّنها،فَتُشكّل بذلك  عرضًا ضوئيًا مذهلًا. عادةً، يحتاج المرء إلى السفر نحو الدائرة القطبية لمشاهدة الأضواء الشماليّة، لكن خلال الانفجارات الشمسيّة القويّة يمكن رؤيتها في مناطق أبعد إلى الجنوب.

فرصة رؤية الأضواء الشماليّة في إسرائيل ضئيلة جدًّا بل تكاد أن تكون معدومة. ومع ذلك، يمكننا قريبًا متابعة كسوف شمسيّ مدهش سيُرى في إسرائيل، حيث سيحدث في 2 أغسطس 2027 كسوف شمسيّ شبه كامِل، يغطّي فيه القمر نحو 90% من سطح الشمس.

מופע מרהיב של אורות צבעוניים שמתרחש כשהחלקיקים של רוח השמש פוגשים את אטמוספרת כדור הארץ. זוהר הקוטב הצפוני בצילום מצפון נורווגיה | צילום: Denis Belitsky, Shutterstock
عرض مذهل من الأضواء الملونة يحدث عندما تصطدم جسيمات الرياح الشمسية بغلاف الأرض الجوّيّ. الشفق القطبيّ الشماليّ في صورة من شمال النرويج | تصوير: Denis Belitsky, Shutterstock

مستقبل الشمس

تُعَدّ شمسُنا نجمًا في مرحلةٍ متوسّطة من عمره. فقد وُلدت منذ زمن بعيد، حتّى بمقاييس علم الفلك ، قبل  نحو 4.5 مليار سنة. وهي تعيش اليوم مرحلةً مستقرة من حياتها النجميّة ، تواصل خلالها عمليّة دمج  الهيدروجين وتحويله إلى هيليوم. غير أن  هذا الوضع المستقر لن يدوم إلى الأبد – فمع استمرار عمليّة الاندماج النوويّ، يزداد تركيز الهيليوم تدريجيّا في نواة الشمس. وبعد نحو خمسة مليارات سنة، ستنفد معظم كمّيّة الهيدروجين في نواتها، تاركةً وراءها كميات كبيرة من الهيليوم المكثّف والملتهِب.

في هذه المرحلة، ستبدأ الشمس فقدان استقرارها، وستدخُل سلسلة من العمليّات التي ستغيّرها بشكل دراماتيكيّ، وتنقلها إلى المرحلة التالية في دورةِ حياتها. أوّلًا، ستتضخّم الشمس وقد تبتلع أثناء ذلك كوكبيّ  عطارد والزهرة. وبطبيعة الحال، سيطال تأثير هذا التمدد كوكبنا الأزرق؛ فحتّى إن لم تمتدّ الشمس المتضخّمة مباشرة إلى مدار الأرض، فمن المرجّح أن يواجه كوكبنا المصير نفسه في نهاية المطاف، بسبب قربه الشديد من الشمس  والقوى الجبّارة التي ستؤثّر عليه.

ستبدأ الشمس في إصدار طاقة أكبر بكثير ممّا تصدره اليوم، إذ ستزداد آبعادها ومعها مساحتها السطحيّة التي ستشع المزيد من الإشعاع إلى الفضاء. في هذه المرحلة، ستلتهب  جميع محيطات الأرض، وبذلك يصعب تصوّر استمرار  أيّ شكل من أشكال الحياة المعروف لدينا على قيد الحياة – حتّى الدببة المائيّة لن تصمد. ومع ذلك، لا داعي للذعر – فالأمر بعيد جدًّا في المستقبل، ومن المحتمل أن يجد البشر طرقًا أسرع بكثير لإبادة أنفسهم قبل أن تصل الشمس إلى هذه المرحلة!

نتيجة التضخّم، الذي سيستمرّ لمليارات السنين، ستضعف جاذبيّة الشمس على طبقاتها الخارجيّة، وسيتم طرد جزء كبير من مادّتها إلى الفضاء. أما الهيليوم المتبقّي في نواتها، فسيخضعُ للاندماج النوويّ ليصبح كربونًا وأكسجينًا. وتنتج هذه العمليّة كمّيّة هائلة من الطاقة، وهي شديدة  الحسّاسية لتغيُّرات درجة الحرارة. بعد أن يتحوّل جزء من الهيليوم إلى كربون، سترتفع

درجة الحرارة أكثر، ويتسارع بذلك معدل الاندماج النوويّ. وهكذا، خلال بضع دقائق فقط، سيتحوّل كمّ هائل من الهيليوم إلى كربون، بمقدار يفوق كتلة الأرض بألوف المرات.

رغم أنّ هذه العمليّة ستُطلق كمّيّة هائلة من الطاقة خلال فترة قصيرة جدًّا — أي نحو مليون مليار مرّة أكثر من معدّل إنتاج الطاقة الحاليّ للشمس — إلّا أنّها لن تبدو دراماتيكيّة من الخارج. فجميع الطاقة ستُمتصُّ في نواة الشمس وتؤدّي إلى تسخينها. ولن يكون هناك أيّ سبب لتوقع حدث عنيف مثل السوبرنوفا، ذلك الانفجار الضخم الذي تنتهي به حياة النجوم الأكبر حجمًا من شمسنا.

بعد امتصاص هذه الطاقة، ستصبح نواة الشمس أكثر حرارة، وستواصل الشمس تحويل الهيليوم إلى كربون بشكل مستمرّ لمدّة نحو مليار سنة إضافيّة، لكنّها ستصبح أصغر حجمًا. وهذه هي نهايتها المتوقّعة: لن تستمرّ نواتها في التسخين أكثر من ذلك، ولن تصل أبدًا إلى درجة حرارة كافية لإطلاق مراحل اندماج جديدة، حيث يتحوّل الكربون إلى أكسجين وعناصر أثقل.

عندما ينفد معظم الهيليوم، ستبدأ الشمس مرّة أخرى في التمدّد، كما حدث سابقًا عندما نفد الهيدروجين من نواتها، وستفقد المزيد من المادّة من طبقاتها الخارجيّة. في النهاية، ستتوقّف عمليّات الاندماج النوويّ في النواة، إذ لن يتبقّى ما يكفي من المادّة للاندماج – لا هيدروجين ولا هيليوم. وعندها ستصبح نواة الشمس القديمة، التي ستكون مكوّنة في هذه المرحلة أساسًا من الكربون والأكسجين، شديدة الكثافة، وبكتلة تقارب نصف كتلة الشمس الحاليّة.

בסוף, זה כל מה שיישאר מהשמש שלנו. ננס לבן שהוא ליבת השמש הדחוסה, שאינה מפיקה עוד אנרגיה | איור: Nazarii_Neshcherenskyi, Shutterstock
في النهاية، هذا كلّ ما سيبقى من شمسنا: قزم أبيض، نواة الشمس المكثّفة التي لم تعد تنتج أيّ طاقة | رسم توضيحيّ: Nazarii_Neshcherenskyi, Shutterstock

نتيجةً لكلّ هذه التغيّرات، سيتحوّل ضوء الشمس، الذي نراه اليوم أصفر إلى ضوء أحمر. وستختتم شمسنا دورة حياتها كـقزم أبيض، بحجم يقارب حجم الأرض الحالي، لكنّه سيكون كثيفًا جدًّا ومكوّنًا في الغالب من الكربون. من الصعب بالطبع التكهُّن بما سيحدث بدقة بعد مليارات السنين، غير أنّ  هذه التنبُّؤات لا تقتصر علئ  النماذج النظريّة فحسب، بل تستند أيضًا إلى ملاحظات  لنجوم مشابهة جدًّا للشمس في كتلتها  لكنّها أقدم سنًّا. وتوفّر حالة هذه النجوم دعمًا رصديّاً للنماذج القائمة، مما يسمح بصياغة افتراضات مبنيّة على أكبر قدر ممكن من الأدلّة حول مصير شمسنا المتوقّع. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلًا قبل حدوث ذلك. وما علينا إلّا أن نستمتع بالحرارة والطاقة التي تمنحها الشمس، والتي تجعل الحياة على الأرض ممكنة كما نعرفها، وكذلك بالظواهر المذهلة التي تقدّمها لنا.

Additional content that may interest you

أداء رياضيّ بلا طعام، بين أسطورة التّحمّل وحقيقة العلم

كيف يؤثِّر صيام شهر رمضان على قدرة الرّياضيّين على التّوفيق بين المتطلِّبات الفسيولوجيّة للصّيام ومتطلّبات التّدريب والأداء البدنيّ؟

علم العلاقات الاجتماعيّة

هل تذكر متى تواصلتَ مع صديقك القديم أو أجريْتَ مكالمة هاتفيّة مع والدتك؟ تُعدُّ العلاقات الاجتماعيّة جزءًا أساسيًّا من توازننا الصِّحيّ، تمامًا كما هو الحال مع ممارسة الرّياضة واتّباع نظام غذائيّ صحيّ.

calendar 30.6.2025
reading-time 7 دقائق

الجيش ينتصر بفضل جراثيمه

على مرّ التّاريخ، وجد البشر طرقًا لتجنيد حلفاء صغار ولا يؤتمن جانبهم لمساعدتهم في هزيمة أعدائِهم.

calendar 2.6.2026
reading-time 15 دقائق