באתר זה נעשה שימוש בקבצי עוגיות בין היתר של צדדים שלישיים. חלקן חיוניות לחוויית גלישה תקינה וחלק משמשות לסטטיסטיקה ושיווק. המשך גלישה באתר מהווה הסכמה לשימוש זה. המידע נשמר בהתאם למדיניות הפרטיות של מכון דוידסון.
لشراء التذاكر
arrow عر
الفضاء لمحة علميّة

من الصين القديمة إلى المريخ وإيران: تاريخ الصواريخ والقذائف

منذ مئات السنين، لعبت الصواريخ والقذائف دورًا أساسيًا في تاريخ البشرية، حيث أُستخدمت أحيانًا لأغراض إيجابية، وأحيان أخرى لأغراض عسكرية وحربية. كيف تطورت أنظمة الأسلحة هذه؟ وما الذي يمكنها فعله؟ وكيف نتعامل معها؟
Getting your Trinity Audio player ready...

كان العالم اليوناني أرخيتاس (Archytas) متخصصًا في علم الرياضيات والفلك، وفيلسوفًا. وفقًا لأحد المؤرخين الرومانيين، كان أرخيتاس ساحرًا أيضًا، إذ إعتاد أن يدهش سكان مدينته ترانتوم – التي تُعرف اليوم بمدينة ترينتو جنوب إيطاليا – بعرض طيران لطائر خشبي. كان الطائر ينزلق بسرعة على طول سلك معلق عليه، وتتصاعد من خلفه نفثة من البخار. ربما كانت هذه الحيلة، التي ابتكرها أرخيتاس قبل حوالي 2400 عام، من أوائل الأمثلة لاستخدام قوة الدفع الغازي، حيث كان يؤدي بخار الماء المتدفق عبر أنبوب رفيع إلى دفع الطائر الخشبي على طول السلك. في الواقع، فإن هذه الحالة تعتمد على قانون الفعل ورد الفعل الفيزيائي: تُطلق الغازات ضغطًا في اتجاه معين، وبالتالي يُدفع الطائر بقوة مساوية في الاتجاه المعاكس. ومع ذلك، استغرق أكثر من ألفي عام قبل أن يصوغ إسحاق نيوتن هذا القانون كثالث قوانينه للحركة.

יישום מוקדם של חוקי ניוטון, כמעט 2,000 שנה לפני שניוטון נולד. דגם של הציפור ה"מעופפת" של ארכיטס במוזיאון קוסטנס באתונה | צילום: Aga39memnon, Wikipedia
تطبيق مبكر لقوانين نيوتن، قبل حوالي ألفي عام من ميلاده. نموذج لطائر أرخيتاس "المحلّق" في متحف كوستينز بأثينا | تصوير: Aga39memnon, Wikipedia

بدلا من الحياة الأبدية

استغرق الأمر سنوات عديدة من العروض الرائعة التي قدمها أرخيتاس في ترينتو قبل أن نشهد التطور التالي في تسخير قوة الدفع الغازي. ليس من الواضح تمامًا متى حدثت هذا القفزة أو متى ظهرت الصواريخ الأولى، ولكن من المرجح أنه حدث في الصين في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر. قبل بضعة قرون من تطور الصواريخ، كان الخيميائيون الصينيون يبحثون عن طريقة لإنتاج “إكسير الخلود“. على الرغم من فشلهم في مهمتهم الأصلية، إلا أنهم طوروا بدلاً من ذلك مسحوقًا أسود، يُعرف الآن بالبارود (Gunpowder).

رغم وجود أدلة على استخدام مواد قابلة للاشتعال ذات خصائص مميزة في فترات سابقة ومناطق أخرى، إلا أن المادة التي طورها الخيميائيون الصينيون في القرن التاسع (الميلادي) تميزت بكونها مستقرة وآمنة، وتتكون أيضًا من مواد متوفرة: نترات البوتاسيوم (KNO3)، الكبريت، و مسحوق الفحم. عند تسخين نترات البوتاسيوم بوجود الكبريت والكربون الموجودة في مسحوق الفحم، يشتعل الخليط ويطلق كمية كبيرة نسبيًا من الغازات، أهمها ثاني أكسيد الكربون (CO2)، غاز النيتروجين (N2)، وكبريتيد الهيدروجين (H2S). لذلك، عندما يحدث التفاعل داخل وعاء مغلق، يزداد ضغط الغازات حتى ينفجر الوعاء.

يبدو أن هذا هو بالضبط  أول استخدام للبارود. ففي بداية القرن العاشر، اعتاد الصينيون ملء قصبات الخيزران بالمسحوق الأسود، ومن ثم إغلاقها، وإلقائها في النار خلال المهرجانات والاحتفالات، لإحداث تأثير المتفجرات. مع ذلك، لم تكن جميع القصبات مغلقة تمامًا، وفي بعض الأحيان، كانت بعضها ترتفع فجأة من النار إلى السماء، بفعل القوة الهائلة للغازات المنبعثة من الفتحة. قد أدرك العديد من العلماء الإمكانات الكامنة في هذا الاكتشاف وبدأوا في تجربة التكنولوجيا الجديدة.

يعود أول استخدام موثق لهذه الصواريخ إلى معركة وقعت عام 1232 بين الصينيين والمغول، حيث استخدم الصينيون “سهام النار” – وهي عصي طويلة يُثبت عليها قصبة قصيرة من الخيزران، مثقوب من جهة واحدة، ومحشوة بالبارود. عند إشعال البارود، كان السهم الناري ينطلق بسرعة فائقة لمئات الأمتار، مما يحدث صوت صفير مرعب و يقذف اللهب من خلفه.

 ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الأسهم قد سببت أي ضرر حقيقي للعدو المغولي، ولكن تأثيرها النفسي كان هائلاً، وساهم في هزيمتهم. تبنى المغول التكنولوجيا الجديدة وسرعان ما بدأوا في إتقانها بأنفسهم. يُعتقد أنهم كانوا السبب في انتشار الصواريخ إلى العالم العربي ومنه إلى أوروبا في وقت قصير نسبيًا. يُرجّح أن الإيطاليون هم من صاغوا مصطلح “صاروخ”؛ rocket ، وهو مشتق من الكلمة الإيطالية racchetta والتي قد تعني “فتيل قصير” أو “ملف”، والتي تصف الشكل الأسطواني.

אפקט פסיכולוגי מרשים שהביא את הטכנולוגיה הסינית למערב. איור של לוחם סיני מצית "חץ אש" | מקור: Aloriel~commonswiki, Wikipedia
تأثير نفسي مُبهر الذي أدى إلى عرض التكنولوجيا الصينية على الغرب. رسم توضيحي لمحارب صيني يُشعل "سهمًا ناريًا". | المصدر: Aloriel~commonswiki, Wikipedia

المدافع بدلا من الصواريخ

آنذاك، اقتصر استخدام الصواريخ بشكل رئيسي على العروض النارية ولأغراض محاربة العدو. يُعتقد أن جان فرويسار (Jean Froissart)، المؤرخ والكاتب الفرنسي، هو من صنع النموذج الأولي التي تعتمد عليه بعض استخدامات الصواريخ اليوم، حيث ابتكر فكرة إطلاق الصاروخ عبر أنبوب، ما ساهم في تحسين دقته. مع ذلك، فإن الاعتماد على الصواريخ تأخر كثيرًا مقارنةً بالبارود، إذ تبنى الأوروبيون اختراعًا صينيًا آخر: المدفع. 

يتكون المدفع من أنبوب معدني سميك يُضغط فيه البارود، ويُغلق أحد طرفيه، وتُوضع بداخله كرة معدنية ثقيلة. عند اشتعال البارود، يولّد الاحتراق ضغط من الغازات المنبعثة، ما يدفع الكرة الثقيلة بسرعة هائلة نحو العدو، وبمهارة بسيطة، يمكن تحقيق إصابات دقيقة. غيّرت المدافع وجه الحرب، إذ سمحت للجيوش المهاجمة باختراق أسوار أي حصن بسهولة، أو إغراق السفن من مسافة بعيدة. لم يمضِ وقت طويل قبل أن تظهر المدافع الخفيفة التي يمكن جملها إلى ساحات المعارك، ولم تكن رصاصاتها مصممة لهدم الجدران، بل لسحق الأعضاء الداخلية للإنسان والحيوان.

המצאה ששינתה את פני הלחימה והותירה מאחור את הרקטות. תותחים במצור של הצבא העות'מני על אסטרגום שבהונגריה, 1543. ציור של סבסיטאן פרנקס מהמאה ה-17 | מקור: ויקיפדיה, נחלת הכלל
اختراع غيّر وجه الحرب ووضع الصواريخ بالهامش. المدافع خلال حصار الجيش العثماني لإزترغوم، المجر، 1543. لوحة بريشة سيباستيان فرانكس (Sebastiaen Vrancx) من القرن السابع عشر | مصدر: من الهند إلى إنجلترا

في أواخر القرن الثامن عشر، تقدم الجيش البريطاني في مساعيه لغزو الهند. لكن خلال معارك غزو إمارة ميسور، جنوب شبه القارة الهندية، فاجأهم المحاربون المحليون بهجمات صاروخية متطورة، صُنعت من أنابيب معدنية، بدلًا من قصب الخيزران. رغم أن هذه الصواريخ لم تُحدث أضرارًا جسيمة، إلا أنها أثارت الذعر في صفوف القوات البريطانية، خاصة بين خيول الفرسان، مما أجبرهم على التراجع. كانت قد زُوّدت بعض الصواريخ أيضًا بشفرة حادة في مقدمتها، ما جعلها تفقد توازنها عند نهاية مسارها، وتحوّلها إلى سيفًا طائرًا يدور بعنف في الهواء ويدمر كل ما يعترض طريقه. 

بعد نجاح البريطانيين في الاحتلال على ميسور، أرسلوا عينات من الصواريخ إلى بلادهم بهدف تطوير سلاح مماثل. أُوكلت المهمة إلى الكولونيل ويليام كونغريف (William Congreve)، الذي درس الصواريخ الهندية وطوّر نموذج محسّن أكثر، من بينها صواريخ مزودة برؤوس حربية متفجرة، أو ملتهبة. ساهمت هذه الصواريخ في تعزيز القدرات العسكرية البريطانية، ولعبت دورًا في انتصارهم على نابليون في معركة واترلو الشهيرة عام 1815. 

اخترع كونغريف كذلك صاروخًا ضوئيًا مزودًا بمظلة، وهو مبدأ لا يزال مستخدمًا في القنابل الضوئية حتى اليوم. كانت الصواريخ التي طورها كونغريف عبارة عن أنبوب معدني يبلغ طوله عشرات السنتيمترات، مزودًا بعصا خشبية طويلة جدًا (تصل أحيانًا إلى مترين) تعمل كذيل يسمح لها بالحفاظ على التوازن. لاحقًا، وبعد أن أظهرت الدراسات أن الصاروخ سيكون أكثر استقرارًا إذا دار حول محوره أثناء الطيران (مثل رصاصة البندقية)، طور المهندس البريطاني ويليام هيل (William Hale) نموذجًا أكثر تطورًا، بزعانف ذيل صغيرة وعدة أنابيب منحنية تطلق بعض الغازات. كانت هذه الصواريخ – التي تشبه الصواريخ المعاصرة إلى حد كبير – أكثر استقرارًا في الطيران، وكانت خالية بشكل ملحوظ من الذيل الطويل والثقيل. على الرغم من هذه التحسينات، انخفض استخدام الصواريخ كسلاح عسكري تدريجيًا، بسبب التحسينات السريعة في المدافع، التي كانت السلاح الرئيسي في المعارك. في الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال، نادرًا ما استخدمت الصواريخ، باستثناء كمية صغيرة من القنابل الضوئية.

שכלל את הרקטות ההודיות. ויליאם קונגרב באיור של ג'יימס לונסדייל מ-1807, ושרטוט טכני שלו עם פרטים של כמה רקטות | מקור: ויקיפדיה, נחלת הכלל 
طوّر الصواريخ الهندية. رسم توضيحي لجيمس لونسديل (James Lonsdale) من عام 1807، يوضح فيه تفاصيل عدة صواريخ وويليام كونغريف | المصدر: Siege of Esztergom 1543 ويكيبيديا

إلى جانب استخدام الصواريخ كأسلحة وألعاب نارية، طمح البعض لتحويل الصواريخ لوسيلة نقل. تروي أسطورة صينية من القرن السادس عشر عن موظف حكومي يُدعى وان هو (Wan Hu) أراد الطيران باستخدام الصواريخ. وفقًا للرواية، ربط وان هو مقعد ببطارية تضم 47 صاروخًا على الأقل، وأمر رجاله بإشعالها دفعة واحدة. لكن ما أن اشتعلت، أصبح من الواضح أن وان هو وعربة الصواريخ قد اختفيا. ليس من الواضح ما إذا كانت هذه القصة قد حدثت بالفعل أم أنها مجرد خيال، لكن ما هو مؤكد أن على مر السنين حاول العديد من المخترعين تطوير مركبة صاروخية على عجلات – نوع من القاطرات أو السيارات – والتي لم تكن ناجحة تمامًا. لكن في بداية القرن العشرين، بدأت تتبلور الرؤية التي غيرت عالم الصواريخ إلى الأبد.

وُلد قسطنطين تسيولكوفسكي (Konstantin Tsiolkovsky) عام 1867 في قرية صغيرة غرب روسيا. أصيب بالصمم الجزئي بسبب مرض في طفولته، مما منعه من إكمال تعليمه الابتدائي. لكنه عوّض ذلك بالقراءة، فتعلّم بنفسه الرياضيات، الفيزياء والكيمياء، وعمل لاحقًا مُدرّسا. نما لدى تسيولكوفسكي اهتمامٌ مُتزايد باستكشاف الفضاء، مستلهمًا ذلك من كتب جول فيرن (Jules Verne).

نشر تسيولكوفسكي العديد من الأفكار حول إنشاء مستعمرات مأهولة في الفضاء، محطات فضائية، وحتى فكرة مصعد فضائي، الذي استلهمه عقب بناء برج إيفل. على عكس كتب الخيال العلمي، كانت اقتراحات تسيولكوفسكي حلولاً عملية للعديد من المشاكل المتعلقة بالنشاط البشري في الفضاء: فقد صمم أنظمة بيولوجية لتوفير الغذاء والأكسجين، بالإضافة إلى تطوير أنظمة ذات بابين تُتيح الانتقال بين المركبة الفضائية وفراغ الفضاء. اليوم، تُعدّ هذه الأنظمة، التي تُسمى “غرف معادلة الضغط” (Airlock)، جزءًا أساسيًا من محطات الفضاء.

عند وفاته عام 1935، كان تسيولكوفسكي قد نشر حوالي 400 مقال، تناول الكثير منها علم الصواريخ. درس بعمق مقاومة الهواء لحركة الصواريخ، وصاغها رياضيًا، واقترح إمكانية تطوير صاروخ متعدد المراحل (Multistage rocket) يتغلب على جاذبية الأرض باستخدام الهيدروجين السائل والأكسجين السائل. كما طرح أفكارًا حول كيفية بناء مثل هذا الصاروخ، وكيفية تطوير نظام توجيه له. على الرغم من أنه لم يبنِ صاروخًا بنفسه، إلا أنه يُعتبر من أبرز رواد مجال رحلات الفضاء المأهولة.

הציע פתרונות מעשיים, בין השאר לתחום הרקטות והטיסה לחלל. ציולקוסבסקי ב-1913 | מקור: ויקיפדיה, נחלת הכלל 
اقترح حلولاً عملية، في مجال الصواريخ والرحلات الفضائية. تسيولكوفسكي عام 1913 | مصدر: Siege of Esztergom 1543 ويكيبيديا

صواريخ تعمل بالوقود السائل

بالتزامن مع نشر تسيولكوفسكي مقالاته باللغة الروسية، ظهر في الجانب الآخر من العالم شاب أمريكي من ماساتشوستس، الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا بتطوير الصواريخ لاستكشاف الفضاء. في مرحلة مبكرة من دراسته الثانوية، نشر روبرت جودارد (Robert Goddard) مقالًا يتناول الإمكانية النظرية لرحلات الفضاء. على الرغم من أن جودارد على الأرجح لم يكن  مطلع على أعمال زميله الروسي، إلا أنه توصّل إلى فكرة دفع الصواريخ بالوقود السائل في الوقت نفسه، إلى جانب فكرة الوصول إلى الفضاء. 

بعد نيل جودارد على درجة الدكتوراه في الفيزياء عام 1911، كرّس جهوده لتطوير هذه الصواريخ بشكل عملي، إلا أن مساعيه تأخرت بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث أُستدعي للانضمام إلى الجيش الأمريكي للمشاركة في تطوير سلاح صاروخي محمول. قد ساهم ذلك إلى تطوير “البازوكة”؛ Bazooka، وهو صاروخ مضاد للدبابات يمكن للجندي حمله بنفسه، والذي أكمل آخرون تطويره، ليصبح لاحقًا أحد أهم الأسلحة في الحرب العالمية الثانية.

بعد ذلك، استأنف جودارد تطوير الصواريخ التي تعمل على الوقود السائل، ونجح بإطلاق أول صاروخ يعمل بالبنزين والأكسجين السائل في ديسمبر 1926. صمم جودارد بنفسه نظام من الخزانات والمضخات التي تضخ الوقود والمؤكسد إلى خزان الاحتراق، الذي يولّد غازات، ما يزيد الضغط ويساعد في إطلاق الصاروخ إلى الفضاء.

بلغ طول أول صاروخ طوّره جودارد حوالي 30 سنتيمترًا، والذي نجح في التحليق لمدة ثانيتين ونصف، ووصل إلى ارتفاع حوالي 12 مترًا قبل أن يسقط في حقل ملفوف، على بُعد أقل من 60 مترًا من موقع الإطلاق، في مزرعة عمته. مع ذلك، مثّلت هذه التجربة الصغيرة نقطة تحول مهمة، إذ أثبتت فعالية استخدام الوقود السائل لدفع الصواريخ. بدأ جودارد في تطوير صواريخه، وفي غضون عقد من الزمن، طوّر صواريخ بطول 4-5 أمتار قادرة على الوصول إلى ارتفاع عدة كيلومترات. كما ابتكر تزويد الصواريخ بنظام الملاحة بالقصور الذاتي (Inertial Navigation System وباختصار INS) الذي مكّن من تغيير اتجاهه، وتحويل الإقلاع العمودي إلى الأفقي الموازي للأرض.

كان حلم غودارد الأعظم هو استخدام صواريخ تعمل بالوقود السائل في رحلات الفضاء، وهي فكرة قوبلت في حينها بالسخرية. في عام 1920، كتبت صحيفة “نيويورك تايمز”: “من السخافة أن البروفيسور غودارد لا يعرف قانون الفعل ورد الفعل الفيزيائي، ولا يعلم أن رد الفعل يتطلب وجود وسط أفضل من الفراغ ليتفاعل معه”. في عام 1929، بعد أن نجح غودارد في إطلاق صواريخه لارتفاع يصل مئات الأمتار، كتبت صحيفة محلية تعليقًا ساخرةً: “صاروخ غودارد أخطأ القمر بمسافة 384,228.4 كيلومتر”.

في عام 1941، توقف جودارد عن إجراء التجارب وانضم إلى الجهد العسكري الأمريكي قبيل دخول بلاده رسميًا الحرب العالمية الثانية. لخيبة أمله، لم يُبدِ الجيش اهتمامًا يُذكر بمقترحاته المتعلقة بالصواريخ بعيدة المدى. إلا إن بحرية الولايات المتحدة طلبت منه المساعدة في تطوير صواريخ متطورة لمساعدة الطائرات على للإقلاع من حاملات الطائرات بشكل أسرع. عمل جودارد على هذا النظام حتى وفاته بسرطان الحلق عام 1945، قبل أيام قليلة من استسلام اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية.

הגיע מטיסות של 12 מטרים לגובה כמה קילומטרים. רוברט גודרד עם הרקטה הראשונה שהונעה בדלק נוזלי, 1926 | מקור: ויקיפדיה, נחלת הכלל
بدأ من صواريخ تحلق بمسافة 12 مترًا حتى وصلت إلى عدة كيلومترات. روبرت جودارد مع أول صاروخ يعمل بالوقود السائل،عام 1926 | مصدر: Siege of Esztergom 1543 ويكيبيديا

نصر جودارد من خلال صواريخ V 

على الرغم من أن القوات الأمريكية لم تبدِ اهتمامًا بصواريخ جودارد، إلا أن هناك من أبدى اهتمامًا كبيرًا بها على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. حتى قبل بدء الحرب العالمية الثانية، قرر النظام النازي الاستثمار في برنامج صاروخي. لتحقيق ذلك، جُند فيرنر فون براون (Wernher von Braun)، مهندس شاب متحمس للفضاء والحاصل على الدكتوراة في مجال الفيزياء، والذي كان قد جرب بالفعل إطلاق صواريخ تعمل بالوقود السائل. انضم فون براون إلى المجهود الحربي النازي، وعمل على تطوير الصواريخ التي أُطلق عليها اسم V2. كان الهدف منها استبدال V1، الذي لم يكن صاروخًا ولكنه في الواقع طائرة نفاثة بدون طيار محملة بالمتفجرات، استخدمها النازيون في نهاية الحرب بشكل رئيسي باتجاه لندن وأنتويرب. كان V2 صاروخًا كبيرًا جدًا – يبلغ طوله حوالي 14 مترًا – يعمل بالكحول والأكسجين السائل، ويحمل 1000 كيلوغرام من المتفجرات تصل إلى مسافة 300 كيلومتر.

في سبتمبر 1944، أُطلق أول صاروخ V2 على بريطانيا، وبحلول نهاية الحرب، كان النازيون قد أطلقوا حوالي 3000 صاروخ من هذا النوع، مما أسفر عن مقتل أكثر من 7000 شخص. مع ذلك، تشير التقديرات إلى وفاة ما لا يقل عن 20000 عامل قسري في الجانب الألماني، اللذين لقوا حتفهم في إنتاج الصواريخ نتيجة ظروف عمل قاسية داخل ملاجئ تحت الأرض. لم يحتج فون براون قط على ظروف عمل السجناء، لكن بعد الإطلاق الأول، علّق فون براون قائلاً إن الصاروخ كان يعمل جيدًا، لكنه “هبط على الكوكب الخطأ”. لاحقًا، وبسبب تصريحات تفيد بتفضيله استخدام الصواريخ في مهام فضائية بدلاً من استخدامها في الحروب، تم توقيفه من قبل سلطات الأمن بتهمة الإضرار بمصالح الدولة. لم يُفرج عنه إلا تحت ضغط من زملائه، الذين زعموا أن استمرار إنتاج الصواريخ يعتمد بشكل كبير على وجوده. قد صرّح لاحقًا أنه لم يكن على علم بالعمل القسري للسجناء في إنتاج الصواريخ، إلى أن ظهرت معلومات تبيّن أنه كان على دراية تامة بذلك. مع اقتراب نهاية الحرب، وصل أحد صواريخ V2 الذي استولى عليه الأمريكيون إلى جودارد، الذي ادعى أن الصاروخ كان يعتمد على أفكاره السابقة. أقرّ فون براون لاحقًا بأن التقنيات التي طورها جودارد قد وفرت على مطوري الصواريخ النازيين سنوات طويلة من الجهد.

أول صاروخ باليستي، بمدى حوالي 300 كيلومتر. أُطلق صاروخ V2 من قاعدة التطوير الألمانية النازية في بينيمونده، عام 1943 | المصدر: Bundesarchiv, Wikipedia

اكتشاف أمريكا

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بات من الواضح لجميع الأطراف أن أسلحة المستقبل ستكون مزيجًا من الأسلحة النووية المُطوّرة حديثًا، وقدرات إطلاق بعيدة المدى. لذلك، سارع عدد من العلماء لتسليم أنفسهم للجيش الأمريكي قبل أن يتمكن النازيون من القضاء عليهم بهدف حماية أسرار الصواريخ. نُقل أكثر من مئة مهندس ألماني، من ضمنهم فون براون، إلى الولايات المتحدة في عملية سرية، حيث عملوا لصالح الأمريكيين على تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات (Intercontinental Ballistic Missile وباختصار ICBM)، وبالاساس صواريخ موجهة بدقة (Precision-guided munition وباختصار PGM)، التي يمكن توجيهها نحو الهدف وتصحيحها حتى أثناء الطيران. 

في عام 1955، حصل فون براون على الجنسية الأمريكية. بالتوازي مع عمله على الصواريخ العسكرية، بدأ بالترويج لأفكاره المتعلقة باستكشاف الفضاء، بما في ذلك إنشاء محطة فضائية مأهولة، واطلاق بعثات من رواد الفضاء. كما تعاون فون براون مع استديوهات ديزني لإنتاج العديد من المسلسلات التلفزيونية حول استكشاف الفضاء ، بهدف تعزيز اهتمام الجمهور بأفكاره.

 

 من “الجولاج” إلى الفضاء

بينما كان فون براون وزملاؤه في طريقهم إلى الولايات المتحدة، أسر الجيش السوفيتي ما لا يقل عن 5000 شخص ممن شاركوا في تطوير، إنتاج، وإطلاق صاروخ V2، بالإضافة إلى الصواريخ وأجزائها.  وُضع هؤلاء الأفراد والمعدات، تحت تصرف قائد قوات الصواريخ السوفيتية، سيرجي كوروليف (Sergei Korolev). لم يكن وصول كوروليف إلى هذا المنصب سهلاً: فقد بدأ كمطور طائرات شراعية، ثم انتقل تدريجيًا إلى تصميم الطائرات، وانخرط في مجال الدفع الصاروخي.

في ثلاثينيات القرن العشرين، كان كوروليف قد بدأ بالفعل في تطوير صواريخ. ولكن في عام 1938، أُلقي القبض عليه خلال حملات التطهير الستالينية وسُجن في معسكرات العمل السوفييتية “جولاج”؛ Gulag. خلال فترة سجنه، احتُجز في معسكر خاص بالعلماء، حيث تمكن من مواصلة تطوير الصواريخ تحت رقابة صارمة من النظام. بعد أن أُطلق سراح كوروليف أخيرًا عام 1944، عاد إلى دراساته في مجال تطوير الصواريخ، وحصل لاحقًا على رتبة عقيد في الجيش الأحمر. مع نهاية الحرب، انخرط بشكل كبير في دراسة وتطوير صاروخ V2، وفي غضون سنوات قليلة، نجح في تطوير صواريخ قادرة على حمل رأس نووي لمسافة آلاف الكيلومترات، على غرار الصواريخ التي كان فون براون يطورها في الوقت نفسه في الولايات المتحدة. على غرار فون براون، أبدى كوروليف اهتمامًا متزايدًا بإطلاق الصواريخ إلى الفضاء، وقدّم إلى السلطات خططًا لإطلاق مركبات فضائية على متنها حيوانات وبشرًا.

يكمن الفرق الرئيسي بين رحلات الفضاء الباليستية وتلك التي تهدف إلى إدخال جسم إلى مدار الأرض في السرعة: إذ يتطلب وضع جسم في مدار حول الأرض أن يصل إلى ارتفاع لا يقل عن 100 كيلومتر، ومنحه سرعة 7.8 متر في الثانية (أي أكثر بقليل من 28,000 كم/ساعة). أما إذا كانت السرعة أقل من ذلك، كما هو الحال في الصواريخ الباليستية، فإن الجسم يسقط عائدًا إلى الأرض. لتحديد السرعة المدارية اللازمة، عادةً ما تُضاف مرحلة إضافية إلى الصاروخ. كلما زادت كتلة الحمولة، زادت الطاقة اللازمة لتسريعها، مما يستدعي مرحلة أكبر حجمًا، مزودة بكمية أكبر من الوقود.

نجح كوروليف في إقناع القيادة السوفيتية ببذل جهد لتعديل صاروخ بهدف إطلاق قمر صناعي، مستندًا إلى معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تعمل على تطوير قمر صناعي مماثل، وأن الاتحاد السوفييتي قادر على التفوق عليهم وتحقيق نصر. في 4 تشرين الأول 1957، أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي، “سبوتنيك”؛ Sputnik، على متن صاروخ R7 – وهو صاروخ باليستي طوره كوروليف، ونجح في تعديله ليتمكن من إطلاق حمولات إلى مدار حول الأرض. وهكذا بدأ عصر الفضاء.

הטיל שהביא את האנושות לחלל. דגם של טיל R7, הטיל הבליסטי שהוסב להצבת מטענים בחלל, ושימש גם לשיגור בני אדם | מקור: MBH, Wikipedia
الصاروخ الذي أوصل البشرية إلى الفضاء. نموذج لصاروخ R7، الصاروخ الباليستي الذي عُدّل لوضع حمولات في الفضاء، واستُخدم أيضًا لإطلاق روّاد فضاء. | مصدر: MBH, Wikipedia

“بيج-بن” نحو القمر

أثار النجاح السوفييتي دهشة الأمريكيين، الذين حققوا بعد حوالي أربعة أشهر إنجاز مماثل بأطلاق قمرهم الصناعي الأول، “إكسبلورر” ؛ Explorer، على متن صاروخ باليستي مُعدّل للإطلاق الفضائي. في الوقت نفسه، فصلت الولايات المتحدة بين برامج تطوير الصواريخ ذات الأهداف المدنية والعسكرية، وأنشئت وكالة الفضاء “ناسا”؛ NASA.

مع ذلك، واصل كوروليف وفريقه التفوق على الأمريكيين في استكشاف الفضاء: فبعد شهر واحد فقط من إطلاق أول قمر صناعي، أطلقوا أول كائن حي إلى مدار حول الأرض، الكلبة “لايكا”. لاحقًا، استخدم السوفييت صواريخ R7 المُحسّنة لإطلاق مسابير (space probes) إلى القمر، وهي مركبات فضائية آلية غير مأهولة مصممة لاستكشاف الفضاء الخارجي. في عام 1959، كانت تقنيات الهبوط المُتحكم لا تزال في طور التطور وغير مكتملة، ما آل إلى تحطم مسبار “لونا 2” ؛ Luna 2 على سطح القمر، ليصبح أول جسم من صنع الإنسان يصل إلى سطح أحد الأجرام السماوية.

في 12 نيسان 1961، بلغ الاتحاد السوفييتي ذروة تفوقه بإطلاق أول رحلة فضائية مأهولة: أُطلقت مركبة الفضاء “فوستوك 1” ؛ Vostok 1، والتي تعني “الشرق” بالروسية، على متن صاروخ R7 مُحسّن، حاملة رائد الفضاء يوري غاغارين (Yuri Gagarin)، حيث أكمل خلالها مدارًا كاملًا حول الأرض. آنذاك، أُعتبر السوفييت سادة الفضاء وملوك الصواريخ.

حاول الأمريكيون مواكبة السوفييت، فأطلقوا أول رائد فضاء أمريكي – آلان شيبارد (Alan Shepard) –  بعد بضعة أسابيع فقط إلى حافة الفضاء، دون الدوران حول الأرض. مما أثار الشعور بالفشل في البيت الأبيض، فسارع الرئيس جون كينيدي إلى تحديد الهدف الطموح: هبوط اول رجل على سطح القمر بنهاية العقد. منذ ذلك الحين، استثمرت واشنطن أموالًا طائلة في برنامج الفضاء، وهو استثمار لم يستطع السوفييت مجاراته. 

عمل فون براون وفريقه، الذين كانوا يعملون آنذاك في ناسا، على تطوير أقوى الصواريخ  القادرة على توليد طاقة هائلة- صواريخ “ساترن” ؛Saturn، أي زُحل. لم تكن الحاجة لتطوير هذا النوع من الصواريخ ناجمة عن المسافة الكبيرة إلى القمر، بل عن الحاجة إلى حمل وزن هائل إلى مدار حول الأرض. مع ذلك، وبفضل السرعة المدارية، أصبح من الممكن إطلاق مركبة فضائية إلى القمر باستخدام محرك صاروخي ضعيف نسبيًا. كان “ساترن 5” أكبر صاروخ في هذه السلسلة، حيث صُمم لحمل 120 ألف كيلوغرام إلى ارتفاع حوالي 2000 كيلومتر. للمقارنة، فإن صاروخ باليستي يحمل قنبلة ذرية لا يحتاج سوى أن يصل إلى عُشر هذا الارتفاع، بحمولة أصغر بمئة مرة.

لم يكن صاروخ “ساتورن 5” مختلفًا جوهريًا عن صواريخ V2، أو حتى عن الصاروخ البسيط الذي أطلقه جودارد من مزرعة عمته قبل حوالي 40 عامًا. كانت جميعها مزوّدة بخزانات وقود سائل ومؤكسد تشتعل في حجرة خاصة ينبعث منها غاز مضغوط، مما يدفع الصاروخ. لكن ما ميز صاروخ “ساترن” أنه كان متعدد المراحل، أي أنه مكون من عدة صواريخ مثبتة فوق بعضها. أولًا، يُطلق الصاروخ السفلي، مما يوفر الدفع الأول. عند نفاد الوقود، ينفصل ويسقط عن البقية. ثم تبدأ المرحلة الثانية في العمل، وهكذا دواليك. تسمح هذه الطريقة للمراحل المتقدمة بدفع صاروخ أصغر بكثير وأخف وزنًا، وكذلك بتكييف المحرك وفقًا لمتطلبات المرحلة المحددة من الرحلة. 

بلغ ارتفاع الصاروخ الكامل، مع المركبة الفضائية في قمته حوالي 112 مترًا، أي أطول من تمثال الحرية وساعة بيج-بن في لندن. كان قطره أكثر من 10 أمتار (في المرحلة الأولى) ووزنه حوالي 3000 طن. بعد خمس عمليات إطلاق في برنامج “أبولو”؛ Apollo program، نجح الصاروخ بحمل مركبة “أبولو 11” الفضائية، التي حققت أول هبوط بشري على سطح القمر. أُعتبر رواد الفضاء الذين هبطوا على القمر أبطالاً وطنيين، وكذلك لم تُنسى مساهمة فون براون، مطور الصاروخ؛ ففي عام 1975، قبل وفاته بعامين، حصل على الميدالية الوطنية للعلوم. حتى يومنا هذا، لا يزال النموذج الأساسي للصواريخ الفضائية الذي طوره فون براون قيد الاستخدام.

مع اقتراب “أبولو 11” من الهبوط على القمر، نشرت صحيفة نيويورك تايمز اعتذارًا رسميًا عن الخطأ الذي ارتكبته بحق جودارد عام 1920. صرّح محررو الصحيفة: “أثبتت المزيد من الأبحاث والتجارب صحة اكتشافات إسحاق نيوتن في القرن السابع عشر، وبات من الواضح اليوم أن الصواريخ قادرة على العمل في الفراغ، كما هو الحال في الغلاف الجوي. تعتذر صحيفة التايمز عن هذا الخطأ”.

عندما قرر الأمريكيون إطلاق أكبر حمولة على الإطلاق، طوروا نظام إطلاق خاص: مكوك فضائي الذي بلغ وزنه حوالي 2000 طن، أي أكثر من عشرة أضعاف وزن مركبة أبولو الفضائية. احتوى المكوك الفضائي على هيكل ضخم برتقالي اللون شبيه بالصاروخ، إلا أنه ليس سوى خزان وقود يبلغ ارتفاعه 47 مترًا، والذي يوفر حوالي 760 طنًا من الهيدروجين السائل والأكسجين السائل للمحركات المثبتة في المكوك نفسه. إن التسارع الأساسي لبدء الإطلاق، كان يوفره صاروخان متصلان بالمكوك الفضائي، يعملان بوقود النيتروجين الصلب (بيركلورات الأمونيوم). عمل هذان الصاروخان خلال الدقيقتين الأوليين بعد الإطلاق، ومن ثم وقعا في البحر – عادة ما يتم جمعهما لإعادة الاستخدام. كان هذا النظام كافيًا لإيصال المكوكات إلى مدار منخفض نسبيًا (حوالي 400 كم). أما بالنسبة لعمليات الإطلاق إلى وجهات أبعد، مثل المريخ، فلا تزال تعتمد على الصواريخ متعددة المراحل، والتي تحمل بنجاح حمولة ثقيلة إلى مدار أعلى حول الأرض، وتطلقها من هناك إلى الوجهة. 

הטיל הגדול מכולם פעל לפי אותם עקרונות של הרקטות הפשוטות של גודרד: שריפת דלק ופליטה של הגזים בלחץ גבוה. שיגור טיל סטורן 5 בדרך לנחיתה הראשונה של בני אדם על הירח, 1969 | צילום: NASA
عمل أكبر صاروخ على الإطلاق بنفس مبادئ صواريخ جودارد البسيطة: حرق الوقود وانبعاث الغازات تحت ضغط عالٍ. إطلاق صاروخ "ساترن "5 في طريقه إلى أول هبوط بشري على القمر، عام 1969 | تصوير: NASA

ثورة إعادة التدوير

إحدى العوامل التي تجعل الصواريخ عالية التكلفة هي عدم إمكانية إعادة استخدامها. من الواضح أنه في المجال العسكري يُعد ذلك أمرًا مفروغ منه، إذ يُفترض أن تنفجر عند إصابة هدفها. أما في مجال الفضاء، فثمة إمكانية لخفض تكلفة الإطلاق إذا أمكن إعادة تدوير بعض مركباتها بتكلفة معقولة. عندما سعت الولايات المتحدة لتطوير مكوكات الفضاء كأول مركبة فضائية قابلة لإعادة الاستخدام، اتضح أن ذلك أكثر صعوبة مما كان متوقعًا. احتوى المكوك على مئات الآلاف من القطع التي كانت تتطلب فحصًا دقيقًا قبل كل إطلاق، مما زاد من تكلفة صيانتها بمرور الوقت، حتى انهيارها النهائي عام 2011، بعد كارثتين كبيرتين أودتا بحياة 14 رائد فضاء.

في العقد الماضي، بدأت شركة “سبيس إكس”؛ SpaceX الأمريكية، بقيادة إيلون ماسك (Elon Musk)، بإطلاق صواريخ “فالكون 9″؛ Falcon 9 المخصصة لحمل حمولات متوسطة الوزن. يُكمل الصاروخ المرحلة الأولى على ارتفاع حوالي 70 كيلومترًا، ثم يواصل ارتفاعه الطفيف بفعل القصور الذاتي، ثم يعود إلى الأرض في سقوط حر. قبيل الهبوط، يعيد الصاروخ تشغيل محركاته مرة أخرى، ويُوازن نفسه في الهواء، ثم يتجه إلى موقع هبوط، إما على الأرض أو على منصة في البحر، ويُجري هبوطًا عموديًا سلسًا. 

على الرغم من أن شركة “بلو أوريجين”؛ Blue Origin كانت أول شركة نجحت في إتمام عمليات الهبوط كهذه، إلا أن سرعان ما تفوقت عليها شركة “سبيس إكس”، محققة مئات من عمليات الهبوط الناجحة، بينما لا تزال “بلو أوريجين” تحقق أعداد محدودة. اليوم، تُطلق “سبيس إكس” العديد من صواريخ “فالكون 9” في مراحلها الأولى عشرين مرة أو أكثر. مما يمنحها القدرة على تقديم أسعار إطلاق لا تُضاهى، ويجعلها أكبر مستحوذة في سوق الإطلاق الفضائي.

في السنوات الأخيرة، عملت “سبيس إكس” على تطوير “ستارشيب”؛ Starship، أكبر نظام إطلاق في التاريخ. يتكون هذا النظام من مركبة فضائية ضخمة قادرة على حمل مئات الأطنان إلى مدار حول الأرض، ويمتاز بكونه قابل لإعادة الاستخدام بالكامل، ما يسمح للمركبة نفسها ومركبة الإطلاق بالهبوط عموديًا بشكل مُتحكم فيه، والاستعداد لإطلاق آخر في وقت قصير.

وفقًا لرؤية ماسك، ستُستخدم هذه المركبات الفضائية لإنشاء مستعمرة على المريخ، ولكن من المقرر استخدامها أيضًا في عمليات هبوط مأهولة على القمر، وإطلاق حمولات كبيرة مثل محطات الفضاء إلى مدار حول الأرض. كما يأمل ماسك بتطوير نظام نقل عابر للقارات يُمكّن من الطيران من نيويورك إلى سيدني، أو من لوس أنجلوس إلى طهران، في غضون ساعة. في هذه الأثناء، تمر “ستارشيب” بمرحلة الطيران التجريبي، وقد حققت عدة نجاحات في الهبوط العمودي لمركبة الإطلاق، إلى جانب العديد من الإخفاقات المذهلة، ويبدو أنها لا تزال على بُعد بضع سنوات من الاستعداد التشغيلي الكامل.

מערכת שמיועדת להיות רב-פעמית לחלוטין. טיל השיגור סופר-הבי נקלט בנחיתה מדויקת על מגדל השיגור עצמו בטיסת הניסוי החמישית של סטארשיפ, 2024 | צילומים: Bech, BugWarp, Huntster, Prospectprospekt, Steve Jurvetson, Wikipedia
نظام مصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل. تم التقاط صورة لمركبة الإطلاق "سوبر هيفي" ؛ SuperHeavy وهي تهبط بدقة على برج الإطلاق نفسه في رحلة ستارشيب التجريبية الخامسة عام 2024 | تصوير: Bech, BugWarp, Huntster, Prospectprospekt, Steve Jurvetson, Wikipedia

أكبر، أقوى، أسرع

شهدت القدرات الصاروخية للقوتين العظميين تطورًا ملحوظًا على مر السنين، وامتدت إلى دول أخرى. اليوم، تمتلك العديد من الدول صواريخ باليستية عابرة للقارات مزوّدة برؤوس نووية أو رؤوس حربية أخرى، تتبع مسارًا قوسيًا، حيث تخرج من الغلاف الجوي ثم تعود لتسقط نحو أهداف دقيقة تبعد آلاف الكيلومترات عن نقطة الإطلاق. حتى اليوم (2025)، تمتلك 12 جهة – تشمل 11 دولة والاتحاد الأوروبي- قدرات إطلاق تُمكّنها من وضع قمر صناعي في الفضاء بمفردها.

اليوم، تمتلك العديد من الدول صواريخ تقليدية قادرة على إطلاق رؤوس حربية كبيرة لمسافات تصل إلى مئات أو آلاف الكيلومترات. يمكن إطلاق هذه الصواريخ من قواعد أرضية، مركبات مُخصصة، سفن، غواصات، أو طائرات. بعضها مُزود بأنظمة توجيه دقيقة، أو أنظمة توجيه مثل أجهزة استشعار حراري تُمكّنها من تعقّب أهداف مُعينة، مثل محرك طائرة، ومُلاحقته بدقة. بشكل عام، يتأثر حجم الصاروخ بعاملين رئيسيين: مدى الصاروخ وحجم الرأس الحربي. كلما زاد كلاهما، زادت حاجة الصاروخ إلى وقود، وبالتالي زاد وزنه.   

في السنوات الأخيرة، عملت عدة دول على تطوير صواريخ فرط صوتية (Hypersonic)، القادرة على الانطلاق بسرعة تفوق سرعة الصوت بخمس مرات على الأقل، أي ما لا يقل عن 6000 كيلومتر في الساعة. تتميز هذه الصواريخ بأنها جوّالة، أي قادرة على المناورة وتغيير الاتجاه أثناء الطيران، لتضليل أنظمة الدفاع الجوي. إلا أن لهذه الصواريخ أيضًا عيوبًا ونقاط ضعف.

טילי שיוט שמתמרנים במהירות 6,000 קמ"ש ויותר. טיל היפרסוני | הדמיה: Alexyz3d, Shutterstock
صواريخ كروز مناورة بسرعة تصل وقد تفوق الـ 6,000 كيلومتر في الساعة. صاروخ فرط صوتي| الصورة: Alexyz3d, Shutterstock

العودة إلى الوراء

في العقود الأخيرة وبالتوازي مع تطور المعرفة والتكنولوجيا، اكتسبت تقريبًا معظم الدول الأدوات اللازمة لإنتاج صواريخ بسيطة.

يُعد صاروخ “القسام”؛ Qassam من أبسط أنواع الصواريخ، والذي طُوّر في قطاع غزة في أوائل عام 2000. يعتمد صاروخ “القسام” بشكل أساسي على نترات البوتاسيوم، وهي مادة تُستخدم كسماد زراعي، ويسهل الحصول عليها. يُخلط نترات البوتاسيوم مع السكر ويُضغط داخل أنبوب معدني (مثل عمود إشارة المرور)، ثم تُضاف إليه كمية قليلة من المتفجرات، والتي يُمكن إنتاجها أيضًا بسهولة من السماد الزراعي، ليتم إشعالها وإطلاقها. مع مرور الوقت، وبفضل المعرفة والتمويل، تطورت هذه الصواريخ من حيث المدى وكمية المتفجرات. ومع ذلك، يعمل الصاروخ نفسه على نفس المبدأ البسيط: احتراق وقود صلب مما يولد غازات، بالإضافة إلى آلية تثبيت ورأس حربي. معظم هذه الصواريخ البسيطة لا تحتوي على آلية توجيه، وما يُحدد موقع الاصطدام هو زاوية الإطلاق وسرعته ومداه.

في السنوات التالية، بدأ العمل على صواريخ أكثر دقة: مزودة بنظام ملاحة، يعتمد عادةً على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أو أي نظام ملاحة آخر. يستطيع مشغلو الصواريخ إدخال إحداثيات الهدف قبل إطلاقها، وهي مزودة بأنظمة مناورة تتيح لهم التحكم في اتجاه طيرانها، مما يسمح لها بالوصول إلى الهدف المقصود. ويمكن استخدام أنظمة تشويش ضد هذه الصواريخ، مما يُربك نظام الملاحة ويُشتت انتباهه عن هدفه.

تشمل الصواريخ الأكثر تطورًا على نظام الملاحة بالقصور الذاتي ومقاييس التسارع. بهذه الطريقة، يُحدد الصاروخ موقعه بدقة في أي لحظة، بناءً على قياسات الاتجاه والمسافة والوقت المنقضي، شريطة إدخال إحداثيات موقعه الصحيحة عند الإطلاق. يستطيع هذا النوع من الصواريخ الوصول إلى هدفه دون الاعتماد على نظام تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية أو معلومات خارجية. إلا أن دقة هذه الأنظمة محدودة، وقد تنحرف الصواريخ عن مسارها بسبب عوامل مثل تغيرات كثافة الغلاف الجوي والرياح القوية وغيرها.

وفقًا للمعاجم

من الناحية المعجمية، لا يوجد فرق جوهري بين مصطلحي “قذيفة”؛ Missile و”صاروخ”؛ Rocket. في الواقع، وفقًا للتعريف السطحي، فإن الصاروخ هو أي جسم يُدفع بقوة هائلة، عادةً بواسطة سبطانة أو آلية إطلاق، ووفقًا للتعريف الواسع، تُعتبر رصاصة البندقية أو قذيفة الهاون صاروخًا أيضًا. أما تعريفها وفقًا للخبراء، فأن “الصاروخ”، بعكس القذيفة البسيطة، مزود بنظام توجيه، يمكن التحكم فيه حتى بعد الإطلاق. كذلك، غالبًا ما يُستخدم مصطلحا “الصاروخ الباليستي” أو “الصاروخ العابر للقارات” لوصف الصواريخ التي تتبع مسار قوسي، حيث يكون معظم مسارها خارج الغلاف الجوي. في المقابل، تحلق الصواريخ الجوالة بشكل موازي للأرض دون مغادرة الغلاف الجوي، مثل الطائرة، ولكنها تكون عادةً أقل قدرة على المناورة، وتعمل بمحرك صاروخي سريع.

לפי ההגדרה המקובלת כיום, בטילים אפשר לשלוט גם אחרי השיגור. שלבים בהעמדה ושיגור של הטיל הבין-יבשתי האמריקאי "אטלס" בשנות ה-60 | צילומים: U.S. Air Force
وفقًا للتعريف المُتعارف عليها اليوم، يُمكن التحكم في الصواريخ حتى بعد إطلاقها. مراحل نشر وإطلاق الصاروخ الباليستي الأمريكي العابر للقارات "أطلس" في ستينيات القرن الماضي | تصوير: U.S. Air Force

صواريخ مضادة للصواريخ

مع تطور أنظمة الصواريخ، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في تطوير أنظمة اعتراض الصواريخ الباليستية في سبعينيات القرن الماضي. تعتمد هذه الأنظمة على الرادار، الذي يُفترض أن يكشف ويتتبع إطلاق الصواريخ الباليستية. وفي الوقت نفسه، تُطلق صواريخ صغيرة نسبيًا وسريعة للغاية، يُفترض أن تصطدم بالصاروخ المستهدف أو تنفجر بالقرب منه وتدمره. طورت الدولتان العديد من هذه الأنظمة، لكنها لم تُختبر عمليًا في ظروف تشغيلية حقيقية. 

في حرب الخليج الأولى (1991)، طوّرت الولايات المتحدة صواريخ “باتريوت”؛ Patriot المضادة للطائرات لاعتراض صواريخ “سكود”؛ Scud العراقية، ولكن بنجاح محدود للغاية. خضع النظام للتطوير على مر السنين، وأظهر نتائج أفضل في حرب الخليج الثانية (2003). ومن الدول الرائدة في هذا المجال إسرائيل، التي طورت صواريخ “حيتس”؛ Arrow، بالتعاون مع الولايات المتحدة، المصممة لتدمير الصواريخ الباليستية أو الصواريخ بعيدة المدى.

بالتزامن، في إسرائيل طُوّر نظام “القبة الحديدية”؛ Iron Dome، بتمويل أمريكي، المصمم لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى. تطلب تطوير النظام مواجهة تحديات هائلة نظرًا لسرعة الاستجابة اللازمة لاعتراض صاروخ لا يتجاوز زمن طيرانه دقيقة واحدة. خلال هذه الفترة، يتعين على نظام الاعتراض حساب مسار الصاروخ، وتحديد ما إذا كان سيُطلق صاروخًا ضده (بناءً على موقع الاصطدام المتوقع)، وإطلاق الصاروخ بحيث يكون لديه الوقت الكافي لضرب الهدف في الوقت المناسب. وقد أُختبرت القبة الحديدية بالفعل في العديد من السيناريوهات التشغيلية، وتقول المؤسسة الدفاعية إن معدلات نجاحها تتجاوز 80%، بل وحتى 90%.

لقد صمدت منظومتا “حيتس” و”مقلاع داوود”؛ David’s Sling أمام اختبارات عديدة، لا سيما خلال العامين الماضيين في اعتراض صواريخ أُطلقت من لبنان واليمن وإيران. من عيوب هذه المنظومات قدرتها المحدودة على التعامل مع وابل كبير من عشرات أو مئات الصواريخ التي تُطلق في وقت قصير. في مثل هذه الحالات، ينجح بعض الصواريخ في إصابة هدفه. مع ذلك، لولا هذه المنظومات الدفاعية، لكانت الأضرار والخسائر في الأرواح أكبر بكثير.

يجب أن نُنسب نجاح قدرات الاعتراض ليس فقط إلى مُطوري ومُبتكري هذه الأنظمة، بل أيضًا إلى رواد مثل تسيولكوفسكي، جودارد، فون براون، وكوروليف، وغيرهم من المخترعين الذين حلموا بالسفر إلى النجوم. ساهمت التقنيات التي طوروها بشكل كبير في حياتنا اليومية، بدءًا من مشاهدة التلفزيون عبر الأقمار الصناعية ووصولًا إلى تحسين الأمن الشخصي بفضل الصواريخ السريعة.

Additional content that may interest you

"معضلة الأجسام الثلاثة" ومسائل أخرى

استُنبط اسم المسلسل “معضلة الأجسام الثلاثة” من مسألة فيزيائيّة حقيقية. عُرضت في هذا المسلسل أفكار علميّة وتكنولوجية أخرى، بدءًا من الاتّصالات بواسطة الغزل الكموميّ وانتهاءً بالمركبات الفضائيّة النوويّة- فما هي العلوم الحقيقيّة الّتي تقف وراءها؟

calendar 8.12.2024
reading-time 9 دقائق

الذّكاء البشريّ أم الذّكاء الاصطناعيّ؟

ما الّذي يجب أن يحدث حتّى نتمكّن من تحديد مَنْ قام بتأليف النّصّ أو إنشاء الصّورة – شخص أم ذكاء اصطناعيّ؟

calendar 17.7.2025
reading-time 9 دقائق

إنتاج غذاء من الهواء

اِستغلال الطّاقة الشّمسيّة والبكتيريا ومزارع البكتيريا. تبحث البشريّة عن مصادر غذاء جديدة، أكثر فاعليّةً ونجاعةً، تكفي لتغذية سكّان العالم. أين نجد مثل هذه المصادر؟

calendar 10.11.2024
reading-time 7 دقائق