التضامن الأنثويّ لدى قرود البونوبو
تتمتّع إناث الشمبانزي القزم، المعروف أيضًا باسم بونوبو (Bonobo) بمكانة عالية، رغم أنّ الذكور أكبر حجمًا وأقوى. كيف تفعل ذلك؟ تشير الأبحاث الجديدة إلى أنّ الإجابة هي: التضامن
في معظم الثديّات الّتي تعيش في مجموعات، يبدي الذكور سيطرة واضحة- فعادة ما تتنحّى الإناث جانبًا عند اقتراب الذكور، لإفساح المجال لهم لتناول الطعام أوّلًا. خلال فترة التزاوج، الذكر المهيمن هو من يقرّر ما إذا كان يريد التزاوج ومتى.
ليس من الصعب فهم سبب هيمنة الذكور- هم عادة أكبر حجمًا وأقوى من الإناث. هذا هو الحال أيضًا لدى الشمبانزي، أقرب الحيوانات إلينا من حيث التطوّر: يحتلّ الذكور مكانة أعلى من الإناث في التسلسل الهرميّ للمجموعة، بحيث يُعتبرون الأفراد المهيمنون.
لكن البونوبو حيوانات مميّزة، فرغم قربها الجينيّ للبشر بدرجة مماثلة للشمبانزي، إلّا أنّ سلوكها يختلف. رغم أنّ ذكور البونوبو أكبر وأقوى من الإناث، إلّأ أنّهم ليسوا الأفراد المهيمنين في المجموعة. فعند العثور على مصدر للغذاء، مثل الفاكهة الطازجة، تأكل الإناث أوّلًا، في حين ينتظر الذكور دورهم. كذلك في فترة التزاوج، تقرّر الإناث متى ومع من تتزاوج، دون أن يفرض عليها الذكور ذلك. تتمتّع الإناث بمكانة أعلى من العديد من الذكور، ولذلك تعتبر الفرد المسيطر لدى البونوبو.
كيف تمكّنت إناث البونوبو من الهيمنة على الذكور الأقوى منها؟ على مرّ السنين، طُرحت فرضيّات مختلفة لتفسير ذلك. اعتمد الباحثون مؤخّرًا على مشاهدات ميدانيّة أُجريت على ستّ مجموعات من البونوبو الّتي تعيش في البريّة. أظهرت النتائج في الدراسة أنّ البيانات تدعم فرضيّة أنّ الإناث تشكّل تحالفات، بحيث تصبح معًا أقوى من أيّ ذكر بمفرده.

يشكّلن تحالفات. إناث البونوبو أثناء روتين الاستمالة الاجتماعيّة (social grooming) | تصوير: Martin Surbeck, Kokolopori Bonobo Research Project
قوّة التحالف
غالبًا ما يُنظر إلى البونوبو على أنّه نوع تهيمن فيه الإناث، لكنّ الأبحاث الجديدة تشير إلى أنّ هذا لم يكن صحيحًا دائمًا. فُحصت المشاهدات الميدانيّة الّتي جُمعت على مدى سنوات من كلّ المجموعات الستّ، والّتي تعيش جميعها في جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة- الموطن البريّ الوحيد اليوم الّذي تتواجد فيه حيوانات البونوبو المهدّدة بالانقراض. شملت البيانات ما يقرب من 1800 حالة من المواجهات بين الذكور والإناث، سواء كانت ثنائيّة أو جماعيّة. أظهرت النتائج أنّ الذكور قد أبدوا علامات الخضوع في 61 بالمائة من الحالات، ما يشير إلى أنّ الإناث تحتلّ مكانة أعلى في التسلسل الهرميّ. كما تبيّن أنّه في المتوسّط، كانت كل أنثى أكبر سنًّا من حوالي 70 في المائة من الذكور في مجموعتها. أوضحت باربرا فروث (Barbara Fruth)، إحدى الباحثات الرئيسة في هذه الدراسة، في بيان صحفيّ: “من الأدقّ القول إنّ الإناث في مجتمعات البونوبو تتمتّع بمكانة عالية، بدلًا من أن تكون لديهنّ سيطرة مطلقة”.
وجد الباحثون أنّ مكانة إناث البونوبو لم تكن ثابتة، بل تفاوتت بين المجموعات الستّ المدروسة، وحتّى داخل المجموعة نفسها مع مرور الوقت. كما وجدوا أنّه في الفترات الّتي شكّلت فيها الإناث تحالفات أكثر في المجموعات، ارتفعت مكانتهنّ بشكل ملحوظ.
تُعرَّف التحالفات بأنّها مجموعات مكوّنة من فردَين على الأقلّ يتعاونون ضدّ فرد أو أكثر. وجد الباحثون أنّه في 85% من الحالات الّتي شكّلت فيها الإناث مثل هذه التحالفات، هاجمنَ ذكرًا. وفي بعض الحالات، شارك الذكور في هذا التحالف أيضًا، لكنّهم كانوا دائمًا في مكانة ثانويّة، دون أن يقودوا الهجوم.
قد تنشب هجمات من عدّة إناث على ذكر واحد نتيجة سلوكه العدوانيّ تجاه إحداهنّ، أو تجاه أحد صغارها. أمّا في حالات أخرى، لم يتمكّن الباحثون من تحديد سبب بدء الهجوم، ولكن ما أن يبدأ، يستحيل تجاهله. تصف الباحثة فروث الإناث وهنّ يطاردنَ الذكر من شجرة إلى أخرى، ويصرخنَ بصوت عالٍ لدرجة أنّ الباحثين اضطرّوا إلى تغطية آذانهم. أحيانًا تتسبب الإناث في الأذى للذكر الّذي تطارده، بينما في حالات أخرى، ابتعد الذكور عن المجموعة ولم يعودوا لعدّة أسابيع. اختتمت فروث قائلة: “إنّها طريقة جامحة لإظهار قوّتك. من الواضح لماذا لا يجرؤ هؤلاء الذكور على تجاوز الحدود الّتي حدّدتها الإناث لهم”.
“أبناء الأم”
كما أوضح مارتن سوربيك (Martin Surbeck)، الّذي قاد الدراسة: “على حدّ علمنا، يُعدّ هذا أوّل دليل على أنّ التضامن الأنثويّ قادر على قلب موازين السلطة السائدة في العديد من مجتمعات الثديّات، والّتي تميل لصالح الذكور”. وأضاف: “من المثير للاهتمام أن نرى أنّ الإناث قادرات على تعزيز مكانتها الاجتماعيّة من خلال دعم بعضها”.
كانت النتائج مفاجئة للباحثين، إذ لا يبدو أنّ مجتمع البونوبو، على الأقلّ للوهلة الأولى، منظّمًا لتعزيز الروابط بين الإناث. ففي مجموعات البونوبو، عادةً ما يبقى الذكور في المجموعة الّتي ولدوا فيها، بينما تنتقل الإناث إلى مجموعة أخرى في سنّ البلوغ. نتيجة لذلك، عادةً لا تتكوّن صلة قرابة بين الإناث اللّواتي نشأن في نفس المجموعة- فقد تركن أمهاتهنّ، أخواتهنّ، وأصدقاء طفولتهنّ عند انتقالهنّ إلى مجموعة أخرى عند البلوغ. يختلف نمط المعيشة هذا عن أنواع أخرى من القرود، حيث يكون الذكور هم من ينتقلون من مجموعة إلى أخرى، وللإناث شبكة عائليّة تحدّد إلى حدّ كبير موقعهنّ في التسلسل الهرميّ. ومع ذلك، يبدو أنّه في بعض مجموعات البونوبو على الأقلّ، تتمكّن الإناث من تكوين روابط قويّة فيما بينهنّ، ومساعدة ودعم بعضهنّ البعض.
لماذا لا يُشكّل ذكور البونوبو تحالفاتهم الخاصّة لمواجهة تحالفات الإناث؟ لدى الشمبانزي، تُعدّ تحالفات الذكور شائعة جدًّا، وغالبًا ما تُستخدم في المعارك فيما بينهم. أمّا لدى البونوبو، فنادرًا ما تُرى. قد يكون أحد أسباب ذلك أنّ البونوبو يُعتبرون، إلى حدّ ما، بمثابة “أبناء الأم”، إذ تلعب الأمهات دورًا فعّالًا في الحياة الاجتماعيّة لأبنائها. أظهرت دراسة أُجريت قبل بضع سنوات أنّ الأمهات تساعدنَ أبنائها في العثور على إناث للتزاوج معهنّ. وجدت الدراسة الجديدة أنّ الذكور الّذين تعيش أمهاتهم في المجموعة يتمتّعون بمكانة اجتماعيّة أعلى. في المقابل، لا تهتمّ أمهات الشمبانزي كثيرًا بالمكانة الاجتماعيّة لأبنائهنّ. قد يحدّ الاعتماد على الأمهات من قدرة ذكور البونوبو على التصرّف ضدّ الإناث.

تشكيل التحالفات هو ليس الطريقة الوحيدة لهيمنة الإناث. مجموعة من إناث البونوبو تعيش في البريّة بجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة. | تصوير: Christian Ziegler / Max Planck Institute of Animal Behavior
لا مفرّ من النظام الأبويّ
لا يعتبر بناء التحالفات هي الوسيلة الوحيدة لهيمنة الإناث. أوضح سوربيك: “يمكنكِ الفوز في صراع لأنّكِ أقوى، أو لأنّ لديكِ أصدقاء يدعمونكِ، أو لأنّ لديكِ شيئًا يريده الآخرون ولا يستطيع انتزاعه منكِ”. إلى جانب فرضيّة بناء التحالفات، تناولت الدراسة أيضًا فرضيّة التكاثر. في فترات الإباضة، تتورّم الأعضاء التناسليّة للإناث البونوبو وتصبح حمراء، ما يشير للذكور بأنّها في نافذة الإخصاب. أو هكذا ظنّنا. أظهرت الدراسات أنّ هذا لا يعتبرعلامةً موثوقةً جدًّا: في كثير من الحالات، تحدث الإباضة قبل أو بعد ذروة التورّم.
يعتبر التزاوج مع أنثى في مرحلة الإباضة أمرًا بالغ الأهميّة لدى الذكور، إذ رسّخت مئات ملايين السنين من التطوّر هذه الرغبة في جيناتهم: يضمن التكاثر انتقال جينات الذكر للأجيال القادمة. عندما يعلم الذكور عن وجود أنثى تمرّ في مرحلة الإباضة، يستطيع الذكر الأقوى إجبارها على التزاوج، ضامنًا عدم تزاوج أيّ ذكر آخر معها خلال نافذة الخصوبة. ولكن إذا لم يكن بإمكان الذكور معرفة موعد الإباضة بالضبط، وخاصّةً إذا كانت عدّة إناث في نفس الوقت، فسيكون من الصعب على ذكر واحد- مهما كان قويًّا- القيام بذلك. في هذه الحالة، “يكون لديك شيءٌ يريده أحدهم ولا يمكن انتزاعه بالقوّة”، كما قال سوربيك. لذلك، قد تكون الأستراتيجيّة الأفضل للتزاوج مع أنثى في مرحلة الإباضة، ببساطة، هي التقرّب من الإناث: قضاء الوقت معهنّ وترك قرار التزاوج لهنّ.
إذا صحّت فرضيّة التكاثر، فمن المتوقّع أن نرى مكانة أعلى للإناث في المجموعات الّتي تمرّ فيها العديد من الإناث بالإباضة في الوقت نفسه. لم تجد الدراسة الجديدة أيّ دليل يدعم ذلك، مع ذلك، يسعى الباحثون لمواصلة دراستها في المستقبل. بالطبع، لا تتنافى الفرضيّتان، وقد تكون المكانة الاجتماعيّة العالية لإناث البونوبو نتيجةً لتكوين التحالفات وتزامن الإباضة، وربّما نتيجة لعوامل أخرى.
قال سوربيك في مقابلة مع ناشيونال جيوغرافيك: إنّ المكانة الرفيعة لإناث البونوبو “تدلّ على أنّ هيمنة الذكور والسلطة الأبويّة ليست حتميّة تطوّريّة. إنّها تعزّز فكرة أنّ كلًّا من القردة والبشر يتمتّعون بمرونة في سلوكيّاتهم. أعتقد أنّ هذا يمنحنا بعض الأمل”.