حتّى قبل عقود قليلة فقط، كان استخدام الأدوات يُعتبر قدرة حصريّة للبشر، تميّزهم عن باقي الكائنات، إلّا أنّ هذا الاعتقاد تغيّر منذ أن أحدثت باحثة الشّمبانزي الشّهيرة جين جودال (Jane Goodall) ثورة في فهمنا عالمَ الحيوان، حين اكتشفت أنّ القردة العليا (Hominidae) تستخدم سيقان النّباتات الرّفيعة لإخراج النّمل الأبيض من أعشاشه. منذ ذلك الحين، وُثّقت المزيد من الأمثلة الّتي تُظهر استخدام الأدوات في عالم الحيوان. لا يقتصر هذا السّلوك على القردة العليا فحسب، بل يشمل أيضًا الدّلافين، ثعالب الماء (Otters)، بعض الطّيور حتّى الأخطبوطات، حيث تلجأ لاستخدام الأدوات مثل العصيّ، الحجارة والإسفنج البحريّ وغيرها، للحصول على الطّعام بالأساس. كذلك، في بعض الحالات تقوم الحيوانات بتصميم الأدوات وتعديلها بما يتلاءم مع احتياجاتها. على الرّغم من هذه الاكتشافات العديدة، فإنّ أنواع الحيوانات الّتي تستخدم الأدوات محدودة، وعادةً ما تكون حيوانات تتميّز بذكاء عالٍ. يُعدّ استخدام الأدوات بين اللّافقاريّات نادرًا للغاية، ولكن أظهرت دراسة جديدة أنّ نوعًا معيّنًا من بقّ الفراش قد طوّر أيضًا استخدامًا متطوّرًا للأدوات.
أدوات صيد الحشرات
أقدام لزجة
سلّطت دراسة سابقة الضّوء على حشرة بقّ تُسمّى Pahabengkakia piliceps (باختصار P. piliceps) أي “قاتل الحشرات” بالعربيّة، والّتي تنتمي إلى عائلة الرّضوفيّات (Reduviidae) وتعيش في تايلاند. قاد التّطوّر هذا النّوع من الحشرات إلى التّخصّص في نوع واحد فقط من الفرائس – عائلة النّحل البرّيّ غير اللّاسع (Trigona)، وخاصّة نوع Trigona collina (باختصار T. collina)، والّتي تُعدّ ملقّحات مهمّة في الطّبيعة التّايلانديّة، وتعيش في مستعمرات اجتماعيّة. تضع إناث حشرات P. piliceps بيضها في مستعمرات النّحل أو بالقرب منها. تتشابه المراحل اليرقيّة لبقّ P. piliceps من حيث المظهر الخارجيّ مع نحلات T. collina، ما يسهّل عليها التّغذّي على النّحل الميت حتّى تكبر وتصبح قادرة على الصّيد بمفردها. عند بلوغها، قد يصل طولها إلى حوالي سنتيمتر واحد أو أكثر، فتقف عند مدخل المستعمرة، وتحاول اصطياد النّحل الّذي يغادر أو يدخل.
بالرّغم من أن نحلة T. collina لا تلسع، إلّا أنّها طوّرت آليّات دفاعيّة أخرى، إذ يمكنها عضّ مهاجميها أو الاصطدام بهم بقوّة أثناء طيرانها، ممّا قد يؤدّي إلى إصابتهم أو إبعادهم. لتعزيز الدّفاع عن المستعمرة، تضع النّحلات قرب المدخل قطرات من الراتنج (Resin)، وهو إفراز عضويّ يشبه الصّمغ في قوامه ولديه رائحة لاذعة. فإذا لم تردع رائحته الأنواع المفترسة، قد تلتصق وتعلق به وتبقى في مكانها، لتصبح هدفًا ثابتًا لهجمات النّحل الّذي يحرس المستعمرة. هذه الآليّة فعّالة حتّى في الدّفاع ضدّ الحيوانات المفترسة القويّة مثل النّمل، الخنافس، حتّى السّحالي.
يُظهر بقّ P. piliceps المفترس سلوكًا فريدًا: لافتراس النّحل، يغمس ساقيه الأماميّتين في إحدى قطرات الراتنج، ويفركهما معًا لتصبح طبقة متساوية من الصّمغ على ساقيه الأماميّتين والوسطى، ثمّ يقف قرب مدخل المستعمرة، ويُلوّح بساقيه الأماميّتين في الهواء، حتّى يلتقط نحلة بأرجله اللّزجة. بعد ذلك مباشرةً، يتراجع إلى مكان مخفيّ، على بُعد بضع عشرات من السّنتيمترات من المدخل، ليأكل فريسته بسلام.
على غرار بقّ P. piliceps، تستعمل العديد من الحشرات الراتنج في الصّيد، غير أنّ معظمها تصطاد فرائس عشوائيّة تلتقطها على النّباتات، وليس كما هو الحال مع P. piliceps الّتي تخرج عند الفجر لاصطياد فرائس محدّدة جدًّا بالقرب من مستعمرات النّحل، حيث تستخدم راتنجها.
الاستعداد للصّيد. حشرة مفترسة من نوع Pahabengkakia piliceps تلطّخ أرجلها الأماميّة والوسطى بالراتنج عند مدخل مستعمرة نحل Trigona collina. فيديو من مقال بحثيّ:
دعوة للهجوم
أجرى باحثون من عدّة جامعات ومعاهد في الصّين سلسلة من التّجارب لدراسة سلوك صيد بقّ P. piliceps. في إحدى التّجارب، اِختبروا تأثير الراتنج على كفاءة الافتراس، حيث قُسّمت الحشرات إلى ثلاث مجموعات: سُمح للمجموعة الأولى بوضع الراتنج بشكل طبيعيّ على أرجلها الأماميّة والوسطى؛ أمّا في المجموعة الثّانية ، فوضع الباحثون الراتنج بأنفسهم، بالأساس على أرجلها الخلفيّة وبطنها؛ في المجموعة الثّالثة مُنعت الحشرات من الوصول إلى الراتنج. أظهرت النّتائج أنّ نسبة نجاح الحشرات في الصّيد بلغت حوالي 75 بالمائة في المجموعة الأولى “الطّبيعيّة”، وحوالي 60 بالمائة في المجموعة الثّانية مع وجود الراتنج على البطن والأرجل الخلفيّة، دون وجود فرق ذي دلالة إحصائيّة بين النّجاح والفشل. بينما في المجموعة الثّالثة، اِنخفض معدّل النّجاح بالفعل إلى أقلّ من 50 بالمائة.
لماذا كانت نسبة نجاح بقّ P. piliceps بالافتراس أعلى في المجموعة الثّانية، حيث كان الراتنج موجودًا على أرجلها غير المخصّصة للاصطياد، مقارنة بالمجموعة الثّالثة الخالية من الراتنج تمامًا؟ اِفترض الباحثون في البداية أنّ بقّ P. piliceps يستخدم الراتنج كوسيلة للتّمويه، إذ بفضل رائحته المميّزة يعتبرها النّحل جزءًا من المستعمرة، وبالتّالي تتجنّب مهاجمتها. مع ذلك، أظهر تحليل المشاهدات عدم وجود فرق حقيقيّ في عدد الاصطدامات والعضّات الّتي يقوم بها نحل T. collina ضدّ P. piliceps بين المجموعتين، بل أنّ شدّة وتواتر الهجمات كانت أعلى تجاه الحشرات المغطّاة بالراتنج. بناءً على ذلك، اِستنتج الباحثون أنّ وجود الراتنج يجذب النّحل، وأن بقّ P. piliceps يستخدمه لتسهيل اصطيادها. كما أظهرت النّتائج أنّ النّحل يستهدف بالفعل أجزاء جسم P. piliceps المغطّاة بالراتنج، سواءً كانت الأرجل الخلفيّة أو البطن. يفترض الباحثون أنّ بطء حركة P. piliceps مقارنة بالنّحل السّريع، يقودها للاعتماد على أرجلها الأماميّة اللّاصقة لافتراس النّحل بشكل فعّال وغرس أجزاء فمه فيها.
بالإضافة إلى ذلك، سعى الباحثون إلى فحص ما إذا كان وضع الراتنج على أرجل P. piliceps يُغيّر من خصائصه، بحيث ينجذب إليه النّحل أكثر من الراتنج الّذي ينشره بنفسه قرب مدخل المستعمرة. أظهرت النّتائج أنّ وضع الراتنج بطبقة رقيقة – كما يفعل بقّ P. piliceps على أرجله – يزيد من انبعاث الموادّ المتطايرة، ممّا يُعزّز رائحة الراتنج ويجعلها أكثر جاذبيّة للنّحل.
تنجذب النّحلات إلى رائحة الراتنج المدهون على أرجل هذه الحشرة المفترسة، ما يُسهّل عليها اصطيادها بأرجلها اللّزجة. فيديو من مقال البحث:
أدوات تطوّريّة
لا يُعتبر تعريف مصطلح “أداة” في سياق الحيوانات بهذه البساطة، إذ يدور جدل حول ما إذا كانت بعض السّلوكيّات تندرج بالفعل ضمن تعريف استخدام الأدوات. وفقًا للتّعريف الشّائع، تُعرّف الأداة على أنّها جزء منفصل من الحيوان، قابل للحمل أو النّقل – أي غير ثابت في البيئة – ويستخدمه الحيوان لتغيير حالة شيء أو كائن آخر، وتحقيق هدف ما. في هذا الصّدد، ينطبق استخدام راتنج النّحل على هذا التّعريف، إذ يأخذ البقّ بعضًا منه ويستخدمه للتّأثير على جذب النّحل، وتحسين فرص صيدها، وزيادة معدّلات نجاحها كمفترسات.
مع ذلك، يقيّد الباحثون أحيانًا تعريف استخدام الأدوات على السّلوكيّات غير الفطريّة، أي تلك الّتي يكتسبها الفرد خلال حياته من أفراد آخرين في بيئته. يشير الباحثون في مقالهم إلى أنّ البقّ P. piliceps يبدأ صيد النّحل من المرحلة اليرقيّة الثّالثة، وعادةً ما يفعل ذلك برفقة البالغين. مع ذلك، لا يشير الباحثين إلى أيّ دليل على أنّ الأفراد الصّغار يتعلّمون من البالغين كيفيّة غمس أقدامهم في الراتنج، بل يُلمّحون إلى أنّ هذا سلوك فطريّ بالفعل، ويفترضون أنّ تطوّر استخدام الأدوات لديهم قد يكون نتيجة دافع تطوّريّ للبقاء؛ لأنّ البقّ من هذا النّوع يصطاد النّحل عديم اللّسع من نوع T. collina فقط. في هذه الحالة، يجب على البقّ التّكيّف للتّعامل مع آليّات دفاع مستعمرات النّحل، ولذلك طوّروا إستراتيجيّة استخدام راتنج النّحل نفسه لجذبه واصطياده خلال تطوّره. اِستنتج الباحثون أنّ هذا النّظام، المتمثّل في حشرة مفترسة تتغذّى فقط على نوع واحد من النّحل عديم اللّسع، يمكن أن يكون نموذجًا مفيدًا لدراسة التّكيّفات التّطوّريّة واستخدام الأدوات، وهو أسهل وأكثر ملاءمة من البحث على الفقاريّات.
ينجذب النّحل إلى المنطقة المغطّاة بالراتنج على جسم البقّ، ويركّز هجماته بشكل أساسيّ على هذه المناطق. لقطات من هجمات المجموعات التّجريبيّة الثّلاث على بقّ الفراش. فيديو من مقال البحث: