يحبّ الكثيرون الإحساس المنعش الّذي تمنحه المشروبات الغازيّة مثل الشمبانيا، البيرة أو الصودا. عند ارتشفها، تنفجر فقاعات الغاز على ألسنتنا وسقف الحلق، ما يطلق الغازات ويُضفي طابعًا حسيًّا مُعزّزًا على التجربة.
تجمع هذه التجربة بين تفاعل معقّد بين براعم التذوّق، مستقبلات الشم، ونشاط الدماغ. فعندما تلامس فقاعات الغاز براعم التذوّق على اللسان، تنشأ إحساسًا بالوخز والتحفيز. ومع انفجار الفقاعات، تنطلق من معظم المشروبات الغازيّة مركّبات عطريّة طيّارة تصل إلى الأنف وتُعزّز من الإحساس بالنكهة. وفي النهاية، تتمّ معالجة هذه التجربة الحسيّة لشرب المشروبات الغازيّة في الدماغ.
من أين جاءت المشروبات الغازيّة؟ كيف يتمّ إنتاجها؟ وما السرّ وراء الصوت المميّز الّذي نسمعه عند فتح علبة أو زجاجة مشروب؟ وهل تُستخدم هذه المشروبات في مجال الطهي؟ وأيّة وصفة أفضل من أجنحة الدجاج بالكولا لفهم العلم الكامن وراء هذه المشروبات الفوّارة!

إحساس فوران منعش في الفم. غطاء يطير من زجاجة شمبانيا. | Sergey Mironov, Shutterstock
ماذا نحتاج؟
- 1 كغم من أجنحة الدجاج.
- عبوة كولا عادية (330 مل). يُمنع استخدام الكولا الدايت أو الزيرو، إذ إنّ المُحلّيات الصناعيّة تتحلّل عند التسخين.
- ملعقتان كبيرتان من زيت القلي.
- 1 ملعقة كبيرة من نبيذ الطبخ.
- 5 ملاعق كبيرة من صلصة الصويا.
- شريحتان من الزنجبيل الطازج.
- 5 فصوص ثوم مهروسة.
- سمسم وبصل أخضر للتزيين.
ماذا نفعل؟
- سخّنوا الزيت في مقلاة واسعة، ثمّ اقلبوا أجنحة الدجاج حتّى تكتسب لونًا ذهبيًّا خفيفًا من الجهتين، وذلك لمدّة تتراوح بين دقيقتين إلى ثلاث دقائق لكلّ جانب.
- انقلوا الأجنحة إلى قدر، وأضيفوا الكولا، نبيذ الطبخ، صلصة الصويا، شرائح الزنجبيل، والثوم المهروس. غطّوا القدر، واتركوه يغلي على نار هادئة لمدّة 15 دقيقة.
- بعد انقضاء الوقت، أزيلوا الغطاء، وارفعوا درجة الحرارة إلى متوسطة-مرتفعة، واتركوا الخليط يغلي حتّى يتبخّر جزء من السائل وتصبح الصلصة أكثر كثافة. تذكّروا أنّ قوام الصلصة سيزداد سماكة بعد أن يبرد قليلًا.
- زيّنوا الطبق بحبوب السمسم والبصل الأخضر.

لا تستخدم الكولا مع محلٍّ صناعيّ. أجنحة دجاج بصلصة الكولا | AntAlexStudio, Shutterstock
والآن إلى العلم
ترجع أصول المياه الغازيّة إلى الطبيعة، إذ وُجدت بدايةً في الينابيع الّتي تحوي مياهها غاز ثاني أوكسيد الكربون بشكل طبيعيّ. في سنة 1767، توصّل الكيميائيّ جوزيف بريستلي (Priestley) وبمحض الصدفة، إلى وسيلة لإنتاج مياه فوّارة صناعيًّا، حين لاحظ أنّ ترك عبوة ماء مفتوحة فوق قدر تخمير في مصنع للبيرة، يؤدّي إلى تشكّل فقاعات من ثاني أوكسيد الكربون في الماء.
أثار هذا الاكتشاف حماسة كبيرة، وفي سنة 1783، طوّر العالِم السويسريّ ياكوب شفِب (Schweppe) تقنيّة ضغط ثاني أوكسيد الكربون في الماء. أضاف شفِب إلى الخليط كربونات الصوديوم وقليلًا من الحمض، وأطلق على الناتج اسم “صودا”. وفي سنة 1835، تمّ تعبئة أول مشروبات الصودا التجاريّة في الولايات المتّحدة وبيعها على نطاق واسع، وسرعان ما بدأ المنتجون بإضافة موادّ مُحلّية ونكهات عليها.
في البداية، نُسبت إلى الصودا خصائص علاجيّة، ولذلك شملت الإضافات الأولى جذور الزنجبيل وبعض المعادن. حتّى مشروب الكوكاكولا الشهير بدأ كدواء؛ إذ قام الصيدلانيّ جون بمبرتون سنة 1885 بصناعة مشروب فوّار لتخفيف الصداع، حوى أوراق الكوكا ومكسّرات الكولا المطحونة. ومع مرور الوقت، تراجع رواج المشروبات الغازيّة الطبيّة، لتحلّ محلها النكهات الصناعيّة والفاكهيّة المُحلّاة. أمّا في عصرنا، فتُنتَج المشروبات الغازيّة بإذابة ثاني أوكسيد الكربون في السوائل تحت ضغط مرتفعٍ. تُضاعف هذه العملية من ذوبان الغاز في السائل، ما يمنح المشروب خصائصه الفوّارة.

الكيميائيّ جوزيف بريستلي اكتشف عن طريق الصدفة طريقة لإنتاج المياه الغازيّة بشكل صناعيّ. مياه الصودا | Adam Kipris, Shutterstock
الغاز داخل السائل
تبقى الفقاعات المذابة محبوسة داخل السائل ما دام الوعاء مغلقًا بإحكام، لكنّها تتحرّر بسرعة عند فتحه. والسبب في ذلك يعود إلى مبدأ التوازن. ثاني أوكسيد الكربون (CO₂) هو غاز شفّاف، وعند ضخّه في الماء وإغلاق الزجاجة أو العلبة، يتكوّن ضغط عالٍ فوق السائل يمنع الغاز من الانفلات منه.
داخل العبوة، يكون جزء من ثاني أوكسيد الكربون مذابًا في الماء، بينما يبقى الجزء الآخر على هيئة غاز في الحيّز الواقع فوق سطح السائل. ما دام الوعاء مغلقًا، يسود توازن بين الحالتين، أي إنّ تركيز ثاني أوكسيد الكربون يبقى ثابتًا في كلّ من السائل والغاز. ويتفاعل جزء من الغاز المذاب مع الماء ليكوّن حمض الكربونيك (H₂CO₃)، وهو ما يمنح المشروب طعمه الحمضيّ الخفيف. عند فتح الزجاجة، ينخفض الضغط فوق السائل ويتساوى مع الضغط الجويّ الخارجيّ، ما يؤدّي إلى انبعاث صوت الفوران، كما تتحرّر الفقاعات داخل السائل بالتزامن مع تحوّل حمض الكربونيك من جديد إلى ماء وثاني أوكسيد الكربون، فيخرج الغاز إلى الخارج.
أحد العوامل المهمّة الّتي تؤثّر في ذوبان الغاز في السائل هو درجة الحرارة. معظم الغازات، بما في ذلك ثاني أوكسيد الكربون، لا تذوب جيّدًا في الماء، لكنّ قابليّتها للذوبان تزداد كلّما انخفضت درجة حرارة الماء. لذلك، عند ترك زجاجة مشروب غازيّ مفتوحة في درجة حرارة الغرفة، يفقد السائل الغاز المذاب بسرعة. أمّا إذا كان المشروب باردًا، فإنّه يحوي كميّة أكبر من ثاني أوكسيد الكربون المذاب، ولهذا يُنصح بفتح المشروب مباشرة بعد إخراجه من الثلاجة وعدم تركه يسخن.
تعتمد قوّة الفوران أيضًا على مدى سهولة تكوّن فقاعات الغازداخل السائل، ويتأثّر ذلك بما يُعرف بـ التوتّر السطحيّ. هذا التوتّر هو القوّة الّتي تجذب جزيئات السائل بعضها إلى بعض. في السوائل ذات التوتّر السطحيّ العالي، يصعب تكوّن الفقاعات. لهذا السبب، من الصعب إدخال غاز في السوائل السميكة مثل شراب القيقب، لأنّها تتميّز بتوتّر سطحيّ مرتفع يمنع الفقاعات من التكوّن بسهولة.
أمّا في المشروبات الغازيّة الخالية من السكّر، فإنّ المُحلّيات الصناعيّة المستخدمة تُضعف التماسك بين جزيئات الماء، ما يؤدّي إلى خفض التوتّر السطحيّ، وبالتالي يسهُل على الفقاعات التكوّن والبقاء في السائل لفترة أطول. لذا، إذا كنتم تبحثون عن فوران يدوم لأطول وقت ممكن، اسكبوا لأنفسكم كوبًا باردًا من مشروب غازيّ منخفض السعرات مع قطع من الثلج.

يمكن أن تعزّز الطعم والقوام للأطعمة. مشروبات غازيّة بعدّة ألوان | fongbeerredhot, Shutterstock
وماذا عن المطبخ؟
على الرغم من احتواء المشروبات الغازيّة على كميّات كبيرة من السكّر، فإنّ لها استخدامات طهو مميّزة. من السهل اليوم العثور على وصفات على وسائل التواصل الاجتماعيّ مثل وصفات دجاج بالكولا. بشكل عام، يمكن لهذه المشروبات إضفاء نكهة مميّزة وقوام مُحسّن للأطباق.
إحدى أبرز فوائد المشروبات الغازيّة، وخصوصًا البيرة والمياه الفوّارة، هي قدرتها على دعم تخمير العجائن والمخبوزات. ففي الخَبز، يُساعد الغاز المذاب على تكوين قوام خفيف وهشّ. كما أنّ إضافة البيرة إلى خليط تغليف أطعمة مقليّة، مثل الدجاج أو السمك أو حلقات البصل، تمنح الطبقة الخارجيّة هشاشة وقرمشة مميّزة بعد القلي.
علاوة على ذلك، قد تسهم حموضة المشروبات الغازيّة في تليين اللّحوم، إذ تساعد الأحماض على تكسير البروتينات، ما يجعل اللحم أكثر طراوة عند تتبيله ونقْعه في صلصات تحتوي على هذه المشروبات. كما أنّها تضيف نكهات مميّزة؛ فمثلًا، استخدام مشروب الزنجبيل الغازيّ يمنح المذاق الحلو المعتدل مع النكهة الحارّة، بينما تضيف الكولا طابعًا غنيًّا يشبه الكراميل. يفتح تنوّع المشروبات الغازيّة بابًا واسعًا للطهو الإبداعيّ الغنيّ بالنكهات. بالصحّة والعافية!