أصبح تسلّق قمم جبال الهيمالايا، وفي مقدّمتها جبل إيفرست، أكثر تحدّيًا مع مرور الوقت، وذلك لسبب بسيط:  لا تزال هذه الجبال في طور الارتفاع، ولو كان ذلك ببضعة مليمترات سنويًّا. وتشهد جبال أخرى حول العالم عمليّة مشابهة؛ إذ تستمرّ جبال الأنديز في أمريكا الجنوبيّة، وجبال الروكي في غرب أمريكا الشماليّة، في الارتفاع ببطء. في المقابل، تشهد سلاسل جبليّة أخرى انخفاضًا تدريجيًّا، كما هو الحال في جبال الأورال وجبال الأبلاش. ومن اللافت أنّ التغيّرات الكبيرة في الارتفاع لا تقتصر على الجبال وحدها، بل تُقاس أيضًا في مناطق شاسعة من سطح الأرض .فعلى سبيل المثال، هناك مناطق في كندا ترتفع سنويًّا بمعدّلات طفيفة، وكذلك الأمر في قارّة أنتاركتيكا، الّتي تواصل ارتفاعها ببطء ملموس.

هذه الديناميكيّة الحيّة الّتي تشهدها الأرض تعود إلى حقيقة مدهشة: فالقارّات الّتي نعيش عليها، والّتي تبدو لنا راسخة وثابتة، ليست سوى ألواح ضخمة تطفو فوق طبقة باطنيّة لزجة أشبه بالعجينة. وقد لاحظ الفيلسوف الإنجليزيّ فرنسيس بيكون (Francis Bacon) في القرن السابع عشر، أنّ سواحل القارّات تتكامل وتتشابه كما لو كانت قطعًا في أحجيةٍ كونيّة. فالساحل الغربيّ لأفريقيا الجنوبيّة، مثلًا، يتناسق إلى حدّ لافت مع الساحل الشرقيّ لأمريكا الجنوبيّة، في حين يبدو الجزء الشماليّ من غرب أفريقيا وكأنّه يلتقي بمنطقة الكاريبي في أمريكا الوسطى. وفي مطلع القرن العشرين، طرح عالم الأرصاد الجويّة الألمانيّ ألفريد فاغنر (Alfred Wegener) نظريّة “انجراف القارّات”، الّتي تفترض أنّ القارات كانت، في الماضي السحيق، كتلة أرضيّة واحدة ضخمة أُطلق عليها اسم “بانغيا” (من اليونانيّة: كلّ الأرض)، ثمّ انقسمت تدريجيًّا وتباعدت على مرّ العصور.

مهّدت فكرة الانقسام هذه لنظريّة “الصفائح التكتونيّة”، والّتي تفيد بأنّ القشرة الأرضيّة الصلبة مقسّمة إلى صفائح ضخمة وأخرى أصغر حجمًا، تطفو فوق طبقة من الصخور المنصهرة الحارّة تُعرَف بـ”الماغما”.


خريطة توضّح الصفائح التكتونيّة الّتي تُشكّل القشرة الأرضيّة، بما في ذلك الصفائح القارّيّة والمحيطيّة | ويكيبيديا، Scott Nash

لا تتوقّف عن الحركة

في زمننا الحاضر، باتت فكرة حركة القارّات مقبولة على نطاق واسع في الأوساط العلميّة. غير أنّ الحال لم تكن كذلك في زمن فاغنر؛ إذ قوبلت نظريّته بالتشكيك، بل وبالسخرية أحيانًا. فمن الصعب على الإنسان الّذي يعيش وفق وتيرة زمنيّة سريعة نسبيًّا، أن يتخيّل أنّ الأرض الّتي يقف عليها تتحرّك دون أن يشعر، حتّى وإن كان ذلك يحدث ببطء شديد لا يُدرك بالحواسّ. وفوق ذلك، لم يكن لدى فاغنر ما يكفي من الأدلّة أو الوسائل التفسيريّة لشرح الآليّة الّتي تدفع القارّات إلى الحركة. لكن لاحقًا، أثبت علماء الجيولوجيا والجيوفيزياء وجود طبقة لزجة من الماغما (الصهارة) تحت القشرة القارّيّة، تنزلق فوقها الصفائح التكتونيّة، وهو ما وفّر التفسير الّذي كانت نظريّته تفتقر إليه. وعندما تتحرّك هذه الصفائح فوق تلك الطبقة، قد تصطدم ببعضها البعض، وينشأ عن ذلك عدد من الظواهر الجيولوجيّة واسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، تكوّن جبل إيفرست نتيجة اصطدام الصفيحة الهنديّة بالصفيحة الأوراسيّة، وهو اصطدام يولّد ضغوطًا هائلة تدفع القشرة الأرضيّة إلى الأعلى باستمرار، ما يؤدّي إلى ارتفاع الجبل بنحو نصف سنتيمتر كلّ عام.


نشأ جبل إيفرست نتيجة اصطدام الصفيحة الهنديّة بالصفيحة الأوراسيّة، ما يسبّب استمرار ارتفاعه | Claus Lunau / Science Photo Library

ومع ذلك، فإنّ قمم جبال الهيمالايا تتعرّض لتآكل دائم بفعل عوامل طبيعية مثل الرياح والأمطار.ويُعدّ الارتفاع الفعليّ لهذه الجبال محصّلة توازن دقيق بين قوّتين متضادّتين: قوّة الرفع الناتجة عن حركة الصفائح، وقوّة التآكل الّتي تفرضها عوامل التعرية.وفي الوقت الراهن، يفوق معدّل الرفع معدّل التآكل، ما يجعل الجبال تواصل ارتفاعها ببطء. غير أنّ الجيولوجيّين يُجمعون على أنّ سلاسل الجبال لا يمكنها الاستمرار في الارتفاع إلى ما لا نهاية، إذ توجد داخل الأرض قوى، أبرزها الجاذبيّة،  تعمل على كبح هذا الارتفاع وتفرض عليه حدودًا طبيعية.والمثير في الأمر، أنّ بعض السلاسل الجبليّة الّتي تكوّنت بدورها نتيجة اصطدام صفائح تكتونيّة، قد بدأت تفقد من ارتفاعها تدريجيًّا.

ولعلّ من أبرز الأمثلة على ذلك سلسلةَ جبال الأورال في روسيا، والّتي شهدت في الماضي نشاطًا تكتونيًّا مشابهًا لما تشهده جبال الهيمالايا اليوم، غير أنّها لم تعد تتعرّض لعمليّات تصادم بين الصفائح. وبغياب هذا الدفع التكتونيّ، أصبحت قوى التآكل هي الغالبة، ما أدّى إلى انخفاض تدريجيّ في ارتفاعها. ويُحتمل أن تتوقّف حركة تصادم الصفائح نتيجة تغيّر في اتّجاه حركتها أو ضعف القوى المحرّكة لها، وهو ما يؤدّي إلى نشوء توازن جيولوجيّ جديد.

قوانين الطفو

يتمثّل جانب آخر مهمّ لحركة الصفائح التكتونيّة في تحديد ارتفاع القارّات بالنسبة للطبقة الّتي تطفو فوقها. فكما أنّ الأشياء تطفو أو تغرق حسب كثافتها في السوائل، فإنّ الصفائح الأرضيّة تتبع مبدأ الطفو ذاته. صفيحة قارّيّة مكوّنة من صخور خفيفة مثل الغرانيت (المعروف أيضًا باسم “الشحم”) تطفو أعلى من صفائح محيطيّة مكوّنة من صخور أكثر كثافة مثل البازلت. وبالتالي، فإنّ الصفائح القارّيّة، رغم أنّها أكثر سماكة، إلّا أنّها أقلّ كثافة، وتخضع لمبدأ “التعويض الإيزوستاتيّ”– وهو توازن بين كتلة الصفيحة وقوى الطفو الّتي تدفعها من الأسفل. فعندما تخسر هذه الصفائح وزنًا، نتيجة التآكل أو ذوبان الأنهار الجليديّة بعد انتهاء العصور الجليديّة، فإنّها ترتفع لتعويض الفقدان.


صورة أقمار صناعيّة لقارّة أنتاركتيكا، والّتي ترتفع نتيجة فقدان كتلة الجليد الّتي تغطّيها | Shutterstock، titoOnz

في كندا، على سبيل المثال، أدّى ذوبان الأنهار الجليديّة الّتي غطّت مساحات شاسعة إبّان العصر الجليديّ الأخير إلى ارتفاع تدريجيّ في سطح الأرض، بفعل تحرّرها من وزن الجليد الثقيل. وفي جبال الألب الغربيّة، ورغم ضعف النشاط التكتونيّ فيها، يساهم التوازن الإيزوستاتيّ في الحفاظ على مستوى ارتفاع الجبال، حتّى في ظلّ تعرّضها للتآكل. أمّا في جبال الألب الشرقيّة، فإنّ التآكل يفوق معدّل التعويض، ما يؤدّي إلى انخفاض تدريجيّ في ارتفاع السلسلة.

وفي دراسة حديثة، تمّ فحص ظاهرة ارتفاع قارّة أنتاركتيكا الناتج عن ذوبان الأنهار الجليديّة وتقلّص كتلتها. وقدّر الباحثون أنّ هذا الارتفاع قد يؤثّر في مستوى سطح البحر، بل إنّه قد يُبطئ وتيرة ارتفاعه في بعض السيناريوهات المستقبليّة. إنّ إدراكنا للطبيعة الديناميكيّة والمتغيّرة للأرض، ودراسة العمليّات الّتي تحدث في باطنها وعلى سطحها بطريقة منهجيّة، يتيحان لنا التنبّؤ بالتغيّرات القادمة والاستعداد لها، سواء في عصرنا الحاليّ أو في مستقبل أكثر بُعدًا. فقياس سرعة حركة الصفائح واتّجاهاتها، ورصد المناطق النشطة تكتونيًّا، لا يُعدّ مجرّد معرفة علميّة فحسب، بل ضرورة لحماية الأرواح، حفظ الموارد والحفاظ على البيئة.