كيف يعمل مصباح الصمّام الثُّنائيّ الباعث للضّوء (LED)؟
كيف تعمل مصابيح الصّمّام الثُّنائيّ الباعث للضّوء (LED)، الملوّنة وذات النجاعة العالية، والتي راج استخدامها في العقود الأخيرة؟ وما هو دور ميكانيكا الكمّ في ذلك؟
تحيط بنا الصّمّامات الثّنائيّة الباعثة للضّوء، المعروفة بمصابيح اللِّد (LED = Light Emitting Diode)، من كلّ جانب: نجدها في مصابيح الإضاءة الشّخصيّة، وفي الشّارع والسّيّارة، وفي التلفزيون واللافتات البعيدة. حلّت هذه المصابيح في العقود الأخيرة محلّ الغالبيّة العظمى من وسائل الإضاءَة الكهربائيّة الأُخرى، مثل مصابيح التوهّج و المصابيح الفلورسنتيّة، لأنّها أكثر نجاعةً وتُعطي ضوءً أكثر سطوعًا مقابل مقدار معيّن من القدرة الكهربائيّة، ويمكنها أن تُنتِج ضوءً بألوان عديدة، وتضيء لفترة أطول دون أن تتلف. تُشكّل الموادّ الفريدة المسمّاة “أشباه الموصلات” لبنات أساس هذه التكنولوجيا الحديثة، والتي يرتبط مبدأ عملها ارتباطًا وثيقًا بميكانيكا الكمّ.
يعتمد عمل مصباح التوهج على المبدأ التّالي: يَسخن السلك الفلزيّ الموصل للكهرباء عند مرور التيار الكهربائيّ من خلاله. تنبعث من السّلك الحارّ أشعّة يُسمّيها الفيزيائيّون إشعاع الجسم الأسود، وينبعث منه، عندما تزداد حرارته، ضوءٌ بأطوال موجات تناسب الضّوء الأحمر والبرتقاليّ والأصفر بشكل خاصّ. تستهلك مصابيح التوهُّج، لهذا السّبب، كمّيّةً كبيرةً نسبيًّا من الطّاقة، إذ يتوجّب على التّيار أن يعمل على رفع درجة حرارة السّلك الفلزيّ إلى آلاف الدّرجات المئويّة. تكون هذه المصابيح حارّةً للغاية عند لمسها خلال إضاءتها، كما أنّ فترة حياة عملها قصيرة نسبيًّا إذ يؤدّي التّسخين والتّبريد المتواتريْن إلى تقلّص السّلك الفلزيّ، وتمدّده تباعًا وتكرارًا إلى أن يتمزّق بعد فترة ما.

مصباح الصّمّام الثّنائيّ الباعث للضّوء (لِد) الذي حلَّ في العقود الأخيرة محلّ الغالبيّة العظمى من وسائل الإضاءة الكهربائيّة الأُخرى | ويكيميديا، Viferico
ما بين المستويات
بالمقابل، يعتمد مصباح اللِّد على آليّة مختلفة تمامًا تسمّى الفلوريّة (الفلورسنتسيا). قد تتواجد الإلكترونات في الذرّات، وفقًا لميكانيكا الكم، في أوضاع معيّنة ولا تتواجد في غيرها – تدور حول نواة الذّرّة على أبعاد معيّنة، بسرعات معيّنة، وما إلى ذلك من مقادير. تُسمّى هذه الأوضاع أوربيتالات (أفلاك) أو مستويات طاقة، إذ لكلّ وضع منها مقدار ثابت من الطّاقة. طاقة الإلكترون الأقرب الى النّواة، مثلًا، أقلّ من طاقة الإلكترون الأكثر بُعدًا عنها. يمكن أن تتواجد الإلكترونات في هذه المستويات من الطّاقة ولا يمكنها أن تتواجد بينها، كما السّكن في عمارة من عدّة طوابق. يمكن أن تنتقل الإلكترونات من مستوى طاقة معيّن إلى آخر، مثلما يمكن لسكّان العمارة التنقّل بين طوابقها.
يتوجّب على الإلكترون الّذي ينتقل من مستوى طاقة الى آخر أن يستوفي فرق الطّاقة فيما بينهما، لأنّ إجمالي كمّيّة الطاقة، وفقًا لقوانين الفيزياء، هو مقدار ثابت. تتغيّر حالة الإلكترون الكموميّة، أي مستوى طاقته عندما تتغيّر طاقته. “يتخلص” الإلكترون، مثلًا، من فائض الطّاقة عندما ينتقل من مستوى طاقة عالٍ إلى مستوى أكثر انخفاضًا، وعليه أن يستوعب طاقة من مصدر خارجيّ، كي ينتقل من مستوى طاقة منخفض إلى مستوى أعلى منه (يساوي مقدار الطّاقة المستوعبة الفرق بين طاقتي المستويين). تحدث مثل هذه الانتقالات بين المستويات بعدّة طرق، إحداها، وهي طريقة شائِعة جدًّا، هي امتصاص الضّوء وإطلاقه: ينبعث الضوء، عند انتقال الإلكترون من مستوى طاقة عالي إلى مستوى أكثر انخفاضًا، بطول موجة (أي بلون) مناسب تمامًا لِلفرق بين طاقتي المستويين.

"يتخلّص" الإلكترون من فائِض الطّاقة عندما ينتقل من مستوى طاقة عالٍ إلى مستوى أكثر انخفاضًا، وعليه أن يستوعب طاقة من مصدر خارجيّ، كي ينتقل من مستوى طاقة منخفض إلى مستوى أعلى منه (يساوي مقدار الطّاقة المستوعبة الفرق بين طاقتي المستويين). تحدث مثل هذه الانتقالات بين المستويات بعدّة طرق، إحداها، وهي طريقة شائِعة جدًّا، هي امتصاص الضوء وإطلاقه. رسم توضيحيّ لانتقال الإلكترون بين مستويات الطاقة | Shutterstock, Sergey Merkulov
طريقان نحو الضوء
يعتمد عمل مصابيح اللِّد على المبدأ ذاته، وذلك باستخدام المكوّن المُسمّى بالصّمام الثّنائيّ (Diode)، أي “الطريقان” باللّغة اليونانيّة. يتيح الصّمّام الثّنائيّ مرور التّيّار الكهربائيّ باتّجاه معيّن، ولا يتيح مروره بالاتجاه المعاكس. يتكوّن الصّمّام الثّنائيّ من “شبه موصل” – وهو مادّة لها خواصّ الموصلات وخواصّ الموادّ العازلة للتّيّار الكهربائيّ. يتكوّن الصّمّام الثّنائيّ من مادّة شبه موصلة من النّوع “المشبك الموجب – السالب” (مشبك p-n)، لأنّه مُكوّن من جُزئين: أحدهما مشحون بشحنة كهربائيّة موجبة والآخر مشحون سالبًا.
تتعقّد الأمور نوعًا ما في هذه المرحلة، لكن النتيجة هي أنّ الالكترونات يجب أن تتواجد في مستوى طاقة عالٍ في الجانب المشحون سالبًا، إلّا أنّه يمكنها أن تتواجد في مستوى طاقة أكثر انخفاضًا في الجانب المشحون موجبًا. لا يمكن لالكترونيْن لهما نفس الحالة الكموميّة أن يتواجدا معًا وفي آن واحد، أي أنّ الإلكترونات لا ترغب في التراصّ بجنب بعضها البعض، وذلك وفقًا لميكانيكا الكم. جميع الأماكن ذات الطاقة المنخفضة مأهولة بالإلكترونات في الجانب المشحون سالبًا، والّذي يحتوي على فائض من الإلكترونات، الأمر الّذي يُملي على الإلكترونات الأخرى المتبقّية التواجد في مستوى طاقة مرتفع. أمّا الجانب المشحون موجبًا فَتنقصه الإلكترونات، ما يجعل الإلكترونات الّتي تصل إليه “تستقرّ” في مستوى طاقة منخفِض.

يجب أن تتواجد الإلكترونات في مستوى طاقة عالٍ في الجانب المشحون سالبًا، إلّا أنّه يمكنها أن تتواجد في مستوى طاقة أكثر انخفاضًا في الجانب المشحون موجبًا. رسم توضيحيّ لهيكل مصباح اللِّد | Shutterstock, petrroudny43
تشبه نتيجة هذه العمليّة الجرف المرتفع: تبقى الإلكترونات في أماكنها في الجانب السّالب من الصّمّام الثّنائيّ، حتى تُدفَع من هذا الجانب نحو الجانب الموجب، إذ تصادفها أماكن فارغة طاقتها منخفضة، فتسقط فيها وينبعث ضوء بطول موجة مناسب لفرق الطاقة بين الطرفين. لن نتمكّن، بالمقابل، من دفع الإلكترونات من الجانب موجب الشّحنة نحو الجانب السّالب نظرًا لأنّها، أي الإلكترونات، لا تمتلك طاقة كافية “تصعد” بها إلى أعلى الجرف. يمكن، لهذا السبب، تمرير التّيّار الكهربائيّ عبر الصّمّام الثّنائيّ في اتّجاه واحد فقط، وينبعث الضّوء من مصباح اللّد عندما يمرّ التّيّار فيه في الاتّجاه الصّحيح. لهذه الآليّة، على الرّغم من أنّها تبدو متشابكة بعض الشّيء، حسنات كثيرة: مصابيح اللّد موفِرة واقتصاديّة للغاية وهي لا تتلف بسرعة، إذ يكفي تمرير تيار كهربائيّ ضعيف جدًّا من خلالها كي ينبعث منها الضوء. يمكن، بالإضافة، الحصول منها على جميع ألوان الطّيف تقريبًا، وذلك عن طريق اختيار شبه الموصل الّذي يتناسب فيه الفرق في الطّاقة بين الجانب الموجب والجانب السّالب مع طول موجة الضّوء ذات اللون المرغوب. مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء في العام 2014 لكلّ من شوجي ناكامورا (Nakamura) وإيسامو أكاساكي (Akasaki) وهيروشي أمانو (Amano) مقابل تطويرهم مصباح اللِّد الأزرق.
تلعب أشباه الموصلات، الى جانب استخدامها في مصابيح اللِّد، دورًا رئيسًا في تطوّر التّكنولوجيا الحديثة. الترانزستور (المقحل أو مُقاوم النقل) هو مكوّن كهربائيّ مبني من أشباه الموصلات، الّتي تقوم بدور مفتاح صغير يُجرَى التحكّم به عن طريق التّيّار الكهربائيّ: يمكن للتّيّار أن يمرّ من خلال الترانزستور عندما يكون المفتاح مفتوحًا، وهو لا يمر عندما يكون المفتاح مقفلًا. دعونا نسمي مرور التيار بالحالة “1”، وعدم مروره بالحالة “0”، فنحصل بذلك على بِتّةٍ (bit) من المعلومات. يتيح توصيل أعداد كبيرة من الترانزيستورات فيما بينها إجراء الحسابات، وتحتوي المُعالِجات الحديثة (كتلك الموجودة في الحاسوب أو في الهاتف الذكيّ الذي تقرأ منه هذه المقالة) على مليارات من الترانزيستورات متناهية الصغر.