المحترفون: الضّحك حتّى في أصعب اللّحظات
يُحوّل المهرّجون الطِّبِّيّون أقسام المستشفيات إلى فضاءات تفيض بالإنسانيّة واللّعب والأمل، معيدين للمرضى الشّعور بالسّيادة على ذواتهم، ومذكّرين إيّاهم بأنّه حتّى في قلب الألم، ثمّة متّسع لابتسامة.
قبل ما يزيد قليلًا عن خمسين عامًا، قرّر طالب طبّ يُدعى باتش أدامز تحويل غرفة العلاج في المستشفى إلى مساحات للمرح والفكاهة والتّعاطف؛ حيث استخدم أنف المهرِّج الأحمر، وغنّى في ممرّات المستشفى وخَلَق لحظات من التّرفيه واللّعب مع المرضى. اكتشف أدامز أنّ الضّحك واللّعب قادران على إذابة الخوف وتخفيف حدّة التّوتّر لدى المرضى حتّى في الحالات الطّبّيّة الحرجة. ورغم اعتباره رائدًا في هذا المجال، إلّا أنّ تطوّر المهرّج الطّبّيّ لم يكن نتاج عمل فرديّ فحسب؛ ففي السّنوات اللّاحقة، ساهم مربّون وفنّانون وأطباء آخرون في بلورة هذا المجال وتطويره، ومن أبرزهم مايكل كريستنسن، الّذي أسّس في الثّمانينيّات برنامج “Clown Care”، وأدخل من خلاله التّهريج المهنيّ المنظَّم والخاضع للإشراف إلى أقسام الأطفال في المستشفيات.
انطلاقًا من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، مفادها أنّ المرضى هم قبل كلّ شيء بشر، وأنّ التّواصل الدّافئ والمطمئن قد يعمل أحيانًا كعلاجٍ فوريّ، تطوّر التّهريج الطّبّيّ ليغدو مجالًا مهنيًّا متكاملًا. ومع مرور السّنوات، تحوّل هذا التّصوّر من مبادرات فرديّة إلى منهجٍ منظّم وواضح المعالم؛ إذ أُنشئت أطر تدريب متخصّصة، ووُضعت قواعد أخلاقيّة وإجراءات عمل تُطبَّق في المستشفيات وفي المجتمع، كما جرى تحديد مجموعة من الأدوات العلاجيّة الّتي يعتمد عليها المهرّجون الطِّبّيّون. وتشمل هذه الأدوات أساليب تشتيت الانتباه الموجّهة، تمارين التّنفّس والموسيقى، وصولًا إلى بناء سرديّة علاجيّة تسهم في تعزيز شعور المرضى بالسّيطرة والأمان.

من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها -مفادها أنّ المرضى هم قبل كلّ شيء بشر، وأنّ التّواصل الدّافئ والمطمئن قد يعمل أحيانًا كعلاجٍ فوريّ- تطوّر التّهريج الطّبّيّة ليصبح مجالًا مهنيًّا متكاملًا. مهرّجون طبّيّون في Shaare Zedek Medical Center | ويكيميديا، U.S. Embassy Tel Aviv
ارتداء الزّيّ
يصل المهرّج أو المهرّجة الطّبّيّة إلى المستشفى صباحًا مثل سائر العاملين فيه، دون مظهرٍ مميّز يلفت الانتباه. غير أنّنا لا نستطيع التّعرّف إليهم إلّا بعد دخولهم غرفة تبديل الملابس؛ إذ يخرجون منها متزيّنين بالمكياج ومجهَّزين بوسائلهم الخاصّة، مثل: الأزياء التّنكّريّة والبالونات، والأهمّ من ذلك بقدرةٍ عالية على التّرفيه والارتجال. يعمل المهرّجون الطّبّيّون جنبًا إلى جنب مع الفريق متعدّد التّخصّصات في المستشفى، الّذي يضمّ الأطبّاء والممرّضين والممرّضات، والأخصائيّين الاجتماعيّين، وعلماء النّفس، وأخصائيّي العلاج الوظيفيّ والطّبيعيّ. ولا يوجد تعارض بين العلاج الطّبّيّ التّقليديّ وبين الدّعم النّفسيّ؛ غير أنّ البروتوكول الطّبّيّ يبقى صاحب الأولويّة القصوى، إذ يندمج المهرّج ضمن هذا الإطار العلاجيّ ولا يحلّ محلّه بأيّ حال من الأحوال.
يرافق المهرّجون الطّبّيّون الأطفال والبالغين وكبار السِّنّ قبل إجراء فحوصات الّدم، خلال فترات الانتظار الّطويلة، أو أثناء الإجراءات الّتي قد تُثير القلق، مثل: تركيب المحاليل الوريديّة، تضميد الجروح وإجراء الغرز. ويؤدّي هؤلاء المهرّجون دور ما يشبه المترجمين العاطفيّين؛ إذ يلتقطون مشاعر الخوف أو الرّفض لدى المرضى، ويحوّلونها إلى فضولٍ ولعب، بهدف خلق شعورٍ أفضل وتعزيز التّعاون والاستجابة للعلاج. ومن خلال اللّعب والموسيقى وتمارين التّنفّس والتّخيّل الموجَّه، يعمل المهرّجون على تحويل انتباه المرضى بعيدًا عن الألم والقلق. فقد يساعدون المرضى، على سبيل المثال، على استعادة إحساسهم بالسّيطرة عبر وسائل بسيطة، مثل: اختيار أغنية أو العدّ التّنازليّ أو إطفاء شمعةٍ في الخيال. ولا يقدّم المهرّجون الطّبّيّون مجرد عرضٍ عاب؛ بل إنّ ما يقومون به يُعدّ فنًا علاجيًّا قائمًا على التّفاعل والإصغاء الدّقيق لمشاعر المرضى ولأجواء الغرفة، مع الحفاظ على الحدود المهنيّة واحترام كرامة المرضى، سعيًا إلى تقديم الدّعم والتّخفيف في اللّحظة الّتي يكون فيها ذلك أشدّ ما يكون حاجةً إليه.
ليس ضحكًا فحسب، بل علم
وفقاً لدراسة “ميتا-تحليل” (تحليل شموليّ) حديثة نُشرت في مجلة World Journal of Pediatrics، فإنّ وجود المهرّجين الطّبّيّين في أقسام الأطفال يسهم في خفض مستويات القلق لدى الأطفال وذويهم، ولا سيما قبل الإجراءات الطّبّيّة والعمليّات الجراحيّة، كما يساعد على تعزيز التّعاون مع الطّاقم الطّبّيّ. إضافةً إلى ذلك، تُظهر الأدبيّات العلميّة الّتي استعرضتها الدّراسة أنّ حضور المهرّجين يسهم في خلق أجواء أكثر هدوءًا داخل الأقسام، وفي تحسين طبيعة العلاقة بين المرضى وأفراد الطّاقم العلاجيّ.
كما يثري بحثٌ آخر أُجري ضمن المنظومة العلاجيّة لطبّ الأورام في إسرائيل فهم الصّورة، إذ ينقل آراء الأطبّاء والممرّضين والفنّيّين من وجهة نظرهم المهنيّة. فقد تبيّن للباحثين أنّه عندما يعمل المهرّج الطّبّيّ بحساسيّةٍ مع المرضى وبالتّنسيق مع الطّاقم، تصبح الأجواء أكثر هدوءًا، ويُظهِر المرضى تعاونًا أكبر، بينما يشعر أفراد الطّاقم بنوعٍ من الارتياح العاطفيّ والمهنيّ. وفي بعض الحالات، أفاد أفراد الطّاقم بإمكانيّة الاستغناء عن المهدّئات أو التّخدير في إجراءات معيّنة، مثل فحوصات التّصوير الطّبّيّ، ممّا يرفع من كفاءة العمل؛ بل وقد يؤدّي أيضًا إلى توفيرٍ في الموارد الطّبّيّة.
أريد أنا أيضًا أن أصبح مهرّجًا طبّيًّا
لكي يصبح الشّخص مهرّجًا طبّيًّا، لا يكفي امتلاك أنفٍ أحمر وكاريزما جذّابة. فالأمر يتطلّب تدريبًا متخصّصًا يمتدّ لعدّة أشهر وقد يصل إلى عام كامل؛ ويشمل مجموعة متنوّعة من الدّورات، مثل: التّمثيل والارتجال، ورشات المكياج، صناعة الأشكال بالبالونات، الموسيقى، علم النّفس والتّواصل العلاجيّ، إضافةً إلى تقنيّات تنظيم القلق والألم. كما يتضمّن البرنامج تدريبًا طبّيًّا أساسيًّا في مجالات النّظافة والسّلامة عند التّعامل مع الأجهزة والمعدّات الطّبّيّة. وخلال فترة الدراسة، يخوض المتدرّبون تجربة عمليّة يندمجون فيها داخل أقسام المستشفيات، حيث يعملون إلى جانب الطّواقم الطّبّيّة ويتلقّون إشرافًا وتوجيهًا مهنيًّا. ويتضمّن التّدريب أيضًا جلسة إحاطة قبل بدء المناوبة، واجتماعًا ختاميًّا بعدها، إضافةً إلى إشراف مهنيّ مستمرّ. ويسهم هذا المسار التّدريبيّ في تعزيز المهارات المهنيّة، توضيح حدود العمل والمساعدة على الحدّ من الإرهاق العاطفيّ.
تتوفّر في إسرائيل العديد من البرامج التّدريبيّة، بعضها مهنيّ وبعضها أكاديميّ، تُؤهّل المهرّجين للعمل التّطوعيّ والمهنيّ على حدّ سواء. وتشمل هذه المسارات برامج دراسيّة وشهادات متخصّصة تجمع بين الدّراسة النّظريّة والتّدريب السّريريّ، إلى جانب دورات قصيرة الأمد توفّر تدريبًا عمليًّا تطبيقيًّا. كما تنشط جمعيّات وهيئات مهنيّة تعمل بالتّعاون مع المستشفيات والمجتمع، وتقدّم تدريبًا عمليًّا ومرافقة مهنيّة حتّى الحصول على الاعتماد بعد تقييم الأداء في الميدان.

لا يكفي امتلاك أنفٍ أحمر وكاريزما ليصبح الشّخص مهرّجًا طبّيًّا. مهرّجة طبّيّة ترافق مريضًا صغيرًا قبل دخوله إلى العمليّة الجراحيّة | ويكيميديا، ČERVENÝ NOS Clowndoctors
الصّوت خلف الأنف الأحمر
يقول يشاي تورجمان، المهرّج الطّبّيّ صاحب الأنف الأحمر: “التّهريج ليس مجرد مهنة، بل هو أسلوب حياة. خلال دورة التّهريج، اكتسبتُ أدوات أستخدمها أيضًا في حياتي اليومّية مع النّاس. على المهرّج الطّبّيّ التّعامل مع مواقف بالغة التّعقيد؛ إذ تدخل غرفة، تُسدِل السّتار ولا تدري ما ينتظرك أو من ينتظرك خلفه”.
ويضيف ديفيد باراشي: “بعد ستّة عشر عامًا، أستطيع القول إنّ التّهريج لغة عالميّة. لكّنّها ليست لغة بالمعنى الحرفيّ، بل هي نظام علاقات ولغة مشاعر تنبع من الدّاخل.”.
ويشارك يقول كالفن كاي كو، مهرّج طبّيّ من الولايات المتّحدة: “في تلك اللّحظات، كان الطّاقم الطّبّيّ مندهشًا جدًا؛ لم يروا المريضة تبتسم من قبل. عندما نعيش مثل هذه اللّحظات، ندرك أنّ عملنا يُحدث فعلاً فرقًا حقيقيًّا.”.
داخل فضاء مليء بالخوف وعدم اليقين، يُعيد المهرّجون الطّبّيّون إلى المرضى القدرة على الاختيار والتّنفّس والابتسام. هذه رسالة حياتيّة يُقاس نجاحها باللّحظات الصّغيرة: نظرة تليّن، كتف يهدأ أو ابتسامة أولى بعد طول غياب.