الانهيار الرَّمليّ
لقي فتى في السّابعة عشرة من عمره حتفه في إيطاليا نتيجة انهيار حفرة حفرها في رمال شاطئ البحر. ما الّذي يؤدّي إلى انهيار المباني الرّمليّة؟ وهل يمكن تجنّب الخطر المترتّب على انهيارها؟
لم يتوقّع أحدٌ من عائلة الفتى ريكاردو بوني ابن السّابعة عشرة أن تنقلب سعادتهم في عطلتهم الّتي قضوها في شاطئ بحر إقليم لاتسيو شمال روما غمًّا وحزنًا. حفر ريكاردو وإخوته الصّغار حفرة في رمل الشّاطئ بلغ عمقها مترًا ونصف المتر. فجأة، دون سابق إنذار، انهارت الحفرة بينما ريكاردو في داخلها. هرع والد ريكاردو وطواقم الإنقاذ و المستجمّون إلى المكان وأخذوا يحفرون بأيادٍ عارية بحثًا عن ريكاردو. وبعد أربعين دقيقة، عُثر على ريكاردو وقد فارق الحياة.
ليس الأمر استثنائيًّا ولا نادر الحدوث كما قد يبدو للبعض. صحيح أنّه لا تتوفّر في متناول اليد قاعدة بيانات لانهيارات رمليّة قاتلة؛ إلّا أنّ تصفّح عناوين الصّحف الصّادرة في السّنوات الأخيرة يكشف عن صورة قاتمة: يلاقي شخصان حتّى ثلاثة، بالمعدّل، حتفهم في الولايات المتّحدة فقط نتيجة الانهيارات الرّمليّة على شواطئ البحار. تُعتبر هذه المعطيات لافتة، كما أنّ تفسيرها لا يقلّ إثارة للدّهشة.

لا يكمن الخطر في البحر فحسب، وإنّما في رمال الشّاطئ أيضًا. يلقى عدد من الأشخاص حتفهم كلّ سنة نتيجة الانهيار الرّمليّ. في الصّورة طفلة تلعب داخل حفرة على شاطئ البحر | تصوير: Mircea Moira, Shutterstock
مَيْل المنحدر
قد يبدو التّحصّن في الرّمل ممتعًا ولا يتمخّض عنه أيّ ضرر. ليس منّا أحد إلّا وصادف الرّمل يوميًّا ولعب فيه، حتّى جيل معيّن على الأقلّ، سواء كان صندوق الرّمل في رياض الأطفال أو على شاطئ البحر. لا نهاب أيّ خطر من هذا الرّمل الّذي غالبًا ما يكون مرتّبًا ومُثبّتًا بشكلٍ مستوٍ. يتطرّق مجال “ثبات المَنحدرات” (Slope stability) المنبثق عن الهندسة الجيوتقنيّة إلى المسائل العمليّة في المواصلات وأعمال الحفر والتّنقيب عن الثّروات في الأرض، وإقامة خزّانات المياه، وحماية الشّواطئ وتخطيط التّحصينات. تتعامل هذه المسائل مع التّوزيع الصّحيح للأحمال أو الأثقال عند إقامة أكوام الرّمل والصّخور، ذلك نظرًا لخطر الانهيار الّذي يكمن في كلّ مكان مائل، سواء نتيجة عامل جيولوجيّ أو هيدرولوجيّ أو زلزاليّ أو بسبب النّشاط البشريّ.
تقاس متانة الأرض المائلة بقدرة الميل (الانحدار) على مقاومة الانهيار تحت وطأة القوى الدّاخليّة العاملة ما بين طبقات الأرض المختلفة. هناك ميلٌ حرِِج لا تتوازن فيه القوى الدّاخليّة المؤثّرة على طبقات الأرض، فتنزلق الطّبقات من على بعضها البعض وينهار المنحدر. يتعلّق الميل الحرج بنوعيّة التربة وبهندستها. تُقاس قوّة الاحتكاك اللّازمة لانهيار المنحدر وما فوقه بزاوية تسمّى، كيف لا، زاوية الاحتكاك (Friction angle). تعبِّر هذه الزّاوية عن النّسبة بين وزن الطّبقات الرّمليّة المختلفة المتراكمة فوق بعضها، وبين قوّة الاحتكاك الأفقيّة العاملة بين هذه الطّبقات. علّمتنا التّجربة اليوميّة أنّه من الصّعب تحريك ورقة بشكل أفقيّ عن طريق شدّها في نفس الوقت الّذي نضغط عليها باليد عموديًّا نحو الطّاولة الّتي وُضعت عليها. هذا هو تمامًا ما تصفه زاوية الاحتكاك.

يزداد ارتفاع الكومة أسرع من ازدياد قطر القاعدة عند إضافة رملٍ جديد، ثمّ يبدأ الرّمل المضاف بالتّدحرج إلى الأسفل من على المنحدر بسبب زاوية الاحتكاك. كومة من الرّمل على شاطئ البحر | تصوير: Rudenko Alla, Shutterstock
الجفاف والرّطوبة
تساوي زاوية احتكاك الرّمل الجافّ زاوية السّكون (Angle of repose)، وهي أكبر زاوية ما بين طرف الكَومة العلويّ وبين السّطح المستوي الّذي وُضعت عليه، أي الزّاوية الّتي تتيح تراكم حُبيْبات الرّمل وتَكَوُّن كومة مستقرّة قبل أن تنهار وقبل أن يبدأ الرّمل بالتّدحرج من على المنحدر. يصف هذا التّساوي عمليًّا العلاقة بين مقدار ظاهر أو محسوس (ماكروسكوبيّ) -هو زاوية السّكون- وبين مقدار مجهريّ (ميكروسكوبيّ)، هو زاوية الاحتكاك. يعني ذلك، من النّاحية العمليّة، أنّ الزّيادة في ارتفاع كومة الرّمل، كلّما أضفنا إليها رملًا من عَلٍ، أسرع من الزّيادة في قطر القاعدة، ويزداد انحدار الميل، وتتدحرج حبيبْات الرّمل إلى الأسفل إلى أن تصبح القاعدة واسعة بما فيه الكفاية. لذا لا تُبنى القصور من الرّمل الجافّ- حيث تؤدّي أيّ إضافة من الرّمل، وإن كانت قليلة، إلى الإخلال بالتّوازن الدّقيق بين القوى.
تتكوّن قوى التّماسك (cohesion) بين حبيبْات الرّمل عند تغلغل الماء فيما بينها، بالإضافة لقوّة الاحتكاك والوزن. كما تؤثّر قدرة الرّمل الكبيرة على امتصاص الماء بدورها على توازن القوى.
يسهل إجراء التّصاميم بالرّمل بتأثير قوّة التّماسك، وقد يظنّ البعض أنّ مقاومة الرّمل الرّطب أكبر من مقاومة الرّمل الجافّ. لكن ليست الأمور تمامًا كذلك: مقاومة الرّمل محدودة، على الرّغم من أنّه من السّهل بناء القصور والقنوات وغيرها من المنشآت من الرّمل الرّطب. تشعر بهذه المحدوديّة في مقاومة الرّمل الرّطب عندما تطأ بقدميْك و تبدأ بالسّير على الرّمل الرّطب المحاذي لماء البحر. الرّمل الرّطب هو أكثر انضغاطًا من الرّمل الجافّ وقد نظنّه أكثر مقاومة. لكن، يزيد حِمْل مداسنا على الرّمل من ضغط الماء المحتبس بين حبيباته، ما يؤدّي إلى أن تُكوِّن خبطات أقدامنا على الرّمل ما يشبه تموّجات أكبر من بصمة القدم. يطرد الضّغط الماء خارج الجزء المضغوط فيتحرّك الرّمل ويتغيّر سطحه الخارجيّ حول بصمة القدم.
قد يختلّ التّوازن الدّقيق في لحظة واحدة عند بناء قصور من الرّمل أو عند الحفر فيه. قد يكفي تغيير طفيف في مستوى الماء بسبب المدّ والجزر لاختلال التّوازن الدّقيق وانهيار البناية أو المنشأة الّتي أقمناها بالرّمل وظننّا أنّها سوف تصمد بوجه الإصابات. يتشوّه ميل كومة الرّمل فجأةً، خلال جزء صغير من الثّانية، قبل انهيارها، وتُسمّى هذه الظّاهرة Brittle failure، أي “الفشل الهشّ”.

البناية الّتي تبدو متينة ومستقرّة معرّضة هي الأخرى للانهيار الفجائيّ. صورة قصر مبنيّ من الرّمل الرّطب، وقد انهدم جزء منه | تصوير: ChrisChips, Shutterstock
من ساء حظّه ودُفن تحت رمل منهار فإنّ أمل بقائه على قيد الحياة، للأسف، ضئيل. يصعب الإفلات من كتلة الرّمل الّتي تقع على الشّخص عندما ينهار الرّمل عليه، فَكثافة الرّمل ضعفا ونصف ضعف كثافة الماء تقريبًا، ما يجعل كمّيّة قليلة من الرّمل ثقيلةً جدًّا. يتلقّى أفراد طواقم الإنقاذ في شواطئ البحار في الولايات المتّحدة الأمريكيّة إرشادات منظّمة لكيفيّة التّعامل مع الانهيارات الرّمليّة.
ما الّذي بوسعنا فعله لتجنّب مثل هذه الكارثة؟ يراقب المهندسون الاختصاصيّون في هذا المجال الحفريّات الهندسيّة والأشغال التّرابيّة والّتي يجب أن تجري وفقًا لنُظم واضحة. أمّا على شاطئ البحر، فَالقاعدة البسيطة هي ألّا نحفر قناة عميقة- وألّا ندخل داخل قناة عميقة فيما إذا حفرناها.
نرجو لكم صيفًا لطيفًا وآمنًا!